سجلت ترعة المريوطية في البدرشين بمحافظة الجيزة، يوم الإثنين 1 يونيو 2026، واحدة من أبشع حوادث الغرق في الترع خلال العام، بعد سقوط سيارة ملاكي في مجرى الترعة بطريق سقارة، ما أسفر عن مصرع 7 أشخاص من أسرة واحدة بينهم 4 أطفال.

 

وتضع هذه الفاجعة الحكومة أمام سؤال لا يتعلق بحادث فردي فقط، بل بمنظومة ترع ومصارف وطرق ريفية تُركت لسنوات بلا حواجز كافية أو تغطية آمنة في نقاط الخطر، حتى تحولت المجاري المائية المكشوفة إلى مصائد موت تبتلع السيارات والأطفال والأسر.

 

المريوطية تبتلع أسرة كاملة في لحظة

 

في البداية، بدأت الفاجعة ببلاغ تلقته غرفة عمليات النجدة في الجيزة عن انقلاب سيارة ملاكي داخل مياه ترعة المريوطية بمنطقة سقارة التابعة لمركز البدرشين، فتحركت قوات الإنقاذ النهري والحماية المدنية وسيارات الإسعاف إلى موقع الحادث لانتشال الضحايا والسيارة.

 

ثم كشفت التحريات الأولية أن السيارة كانت تقل أفراد أسرة واحدة، وأن عجلة القيادة اختلت بشكل مفاجئ من يد قائدها أثناء السير، فانحرفت المركبة عن الطريق العام وسقطت مباشرة في قاع الترعة، ليموت جميع من بداخلها غرقا قبل إنقاذهم.

 

وبحسب الأسماء المنشورة، ضمت قائمة الضحايا الأب محمد ممدوح علي عطية، 43 سنة، وزوجته جويرية أبوطالب علي، 35 سنة، وأطفالهما مريم، 14 سنة، وطلحة، 10 سنوات، وعائشة، 7 سنوات، وحذيفة، سنتان، إضافة إلى شقيق الأب علي ممدوح علي عطية، 46 سنة.

 

كذلك باشرت نيابة جنوب الجيزة الكلية التحقيق في الحادث، وقررت انتداب مفتش الصحة لتوقيع الكشف الظاهري على الجثامين، وندب مهندس فني من إدارة المرور لفحص السيارة، وطلب تحريات المباحث، وسماع أقوال الشهود وأقارب الضحايا حول ملابسات سقوط المركبة.

 

غير أن التحقيق في سرعة السيارة أو سلامتها الفنية لا يجب أن يغلق السؤال الأكبر، لأن سقوط مركبة في ترعة مفتوحة بجوار طريق عام يعني أن الخطر كان موجودا قبل لحظة اختلال المقود، وأن غياب الحماية حول المجرى المائي سمح للحادث بأن يتحول إلى قبر جماعي.

 

وبسبب هذا الغياب، لا تبدو ترعة المريوطية مجرد مجرى مائي عابر، بل نموذج واضح لما يواجهه سكان مناطق كثيرة في مصر، حيث تسير السيارات والدراجات والتلاميذ بجوار ترع مكشوفة بلا حواجز كافية أو إنارة أو فصل آمن بين الطريق والمياه.

 

ومن هنا، يصبح وصف الحادث بأنه نتيجة سرعة زائدة وحدها تبسيطا مريحا للسلطات، لأن الطريق الآمن يجب أن يفترض خطأ السائق ويمنع موته، لا أن يتركه يسقط في مجرى عميق مع أسرته عند أول انحراف مفاجئ.

 

كما أن مشهد انتشال 7 جثامين من أسرة واحدة يجب أن يدفع إلى مراجعة عاجلة لكل الطرق الملاصقة للترع في الجيزة، لا إلى الاكتفاء ببيان أمني أو جنازة مؤلمة، لأن كل متر مكشوف بلا حاجز قد ينتظر حادثا مشابها.

 

ترع الموت ليست حادثا جديدا بل ملفا مفتوحا منذ سنوات

 

بعد ذلك، يعيد حادث المريوطية ملف حوادث الغرق في الترع إلى الواجهة، وهو ملف قديم يتكرر في القرى والمراكز والمحافظات، حيث تسقط سيارات ودراجات ومواطنون داخل مجاري مائية ملاصقة للطرق، بينما يتأخر التدخل الحكومي إلى ما بعد وقوع الضحايا.

 

وتشير تحقيقات صحفية سابقة إلى أن حوادث انقلاب السيارات والمركبات في الترع أصبحت سيناريو متكررا يحصد أرواح المواطنين، وأن السبب المباشر في كثير من الوقائع هو عدم وجود حواجز بين الطرق والترع، خصوصا بعد تبطين بعض المجاري دون حماية كافية للضفاف.

 

وفي محافظة القليوبية، شكا أهالي قرى من تبطين الترع دون إنشاء حواجز خرسانية على ضفافها، وقال مواطنون إن سقوط السيارات والمارة في المياه تكرر بعد انتهاء أعمال التبطين، بينما لم تتعامل الجهات المسؤولة مع الحماية باعتبارها جزءا ضروريا من المشروع.

 

كما تكشف شهادات الأهالي في ملفات سابقة أن بعض المواطنين حاولوا وضع حواجز أمام منازلهم لحماية الأطفال والمارة، لكنهم فوجئوا بتحرير محاضر ضدهم من جهات الري، في مشهد يلخص إدارة تجرم حماية الأهالي لأنفسهم ولا توفر لهم الحماية الرسمية.

 

وفي هذا المحور، يخدم رأي المهندس الاستشاري ممدوح حمزة جوهر القضية، لأنه يركز في مواقفه المهنية على أن البنية التحتية لا تقاس بالأطوال والتكلفة فقط، بل بسلامة الاستخدام وحماية البشر، وهو ما يغيب عندما تُترك الترع ملاصقة للطرق بلا حواجز.

 

لذلك لا يكفي أن تعلن الحكومة إنجاز مشروع تبطين الترع باعتباره نقلة حضارية، لأن التبطين الذي يحسن نقل المياه ولا يحمي الأطفال والسيارات من السقوط يظل مشروعا ناقصا في بعده الإنساني، ويحول حافة الترعة إلى سطح أملس أكثر خطرا عند الانزلاق.

 

كما أن وزارة الري نفسها تعرض مشروع تأهيل الترع بوصفه مشروعا لتحسين كفاءة نقل المياه وتقليل الحشائش والنفايات وتحسين البيئة الريفية والصحة العامة، لكن هذه الأهداف تبقى ناقصة إذا لم تتضمن حواجز أمان واضحة في نقاط التماس بين الترع والطرق والمساكن.

 

وبذلك يظهر التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي، فالدولة تتحدث عن تحسين المظهر الحضاري للريف، بينما يقف الأهالي أمام ترع مفتوحة تخطف أطفالهم وسياراتهم، وتفرض عليهم خوفا دائما من طريق بلا سور ومجرى مائي بلا حماية.

 

ومن ناحية أوسع، لا يمكن فصل حوادث الغرق عن غياب التخطيط المحلي، لأن كل قرية تعرف نقاط الخطر لديها، وكل وحدة محلية تستطيع تحديد الأماكن التي تحتاج حاجزا أو تغطية أو إنارة، لكن المشكلة أن هذه المعرفة لا تتحول إلى تنفيذ قبل وقوع المأساة.

 

الحواجز والتغطية ليست رفاهية بل حق في الحياة

في المقابل، تكشف أرقام مشروع تأهيل وتبطين الترع أن الدولة تملك القدرة المالية والفنية على التدخل عندما تريد، فقد شمل المشروع القومي أطوالا كبيرة في المحافظات، مع إعلان الانتهاء من آلاف الكيلومترات والعمل في آلاف أخرى ضمن خطة واسعة لإدارة المياه.

 

وبحسب بيانات منشورة، شمل المشروع أطوالا وصلت إلى 12050 كيلو متر بين المنفذ والجاري طرحه وتنفيذه، كما استهدفت محافظة سوهاج وحدها تبطين 215 ترعة بأطوال 638 كيلو متر وتكلفة تتجاوز ملياري جنيه، وهي أرقام تثبت أن المال العام ينفق فعلا على الترع.

 

لكن المشكلة أن الإنفاق على التبطين لا يساوي تلقائيا حماية الأرواح، لأن الحاجز الخرساني أو السور المعدني أو تغطية المصرف في نقطة خطرة عنصر سلامة مستقل، ويجب أن يدخل في التصميم من البداية لا أن يظهر بعد سقوط سيارة أو طفل.

 

وهنا يخدم رأي الباحث العمراني يحيى شوكت محور العدالة في المرافق، لأنه ينبه إلى أن مشروعات البنية الأساسية لا يجب أن تُقاس فقط بما تضيفه للدولة اقتصاديا، بل بما تحققه للسكان من أمان وحق في السكن والحركة والعيش دون تهديد يومي.

 

لذلك يجب أن تعلن الحكومة خريطة وطنية للترع والمصارف المكشوفة الملاصقة للطرق والمنازل والمدارس، وأن تحدد نقاط الخطر الأعلى، وأن تبدأ بتأمينها بحواجز قياسية أو تغطية جزئية، بدلا من انتظار حوادث متفرقة تتحول إلى أخبار ثم تختفي.

 

كما يجب أن تتحمل وزارات الري والنقل والتنمية المحلية والمحافظات مسؤولية مشتركة لا متبادلة، لأن الترعة قد تتبع الري والطريق قد يتبع المحافظة أو جهة أخرى، لكن المواطن لا يعنيه تقسيم الاختصاص عندما تسقط سيارة داخل المياه بسبب فراغ بين جهتين.

 

ثم إن الحوادث التي تقع في الترع لا تقتل فقط من يسقطون في المياه، بل تترك أثرا اجتماعيا ممتدا على أسر كاملة، فحادث المريوطية لم يخطف أبًا وأمًا وأطفالا فقط، بل محا بيتا كاملا من سجلات الحياة في لحظة كان يمكن تقليل خطرها بحاجز.

 

وبناء على ذلك، يجب أن تشمل أي مراجعة بعد حادث المريوطية فحص الطريق نفسه، وعرض الترعة وعمقها، ومسافة المجرى عن مسار السيارات، ووجود حواجز أو عدمه، والإضاءة، واللافتات، وتاريخ البلاغات السابقة، حتى لا تنتهي القضية عند فحص السيارة وحدها.

 

ومن زاوية صحية وإنسانية، يخدم رأي الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، هذه القضية لأنه يربط إدارة المجاري المائية بحماية الإنسان والبيئة، ويجعل سلامة الترع جزءا من إدارة الموارد لا عملا تكميليا بعد انتهاء المشروع.

 

لذلك لا يجوز للحكومة أن تتعامل مع الترع كقنوات ري فقط، لأنها في الواقع تمر بجوار بيوت ومدارس وطرق وأسواق، وتلامس الحياة اليومية للملايين، وأي إدارة لا ترى هذا الاحتكاك الاجتماعي تتحول إلى إدارة مياه بلا إدارة حياة.

 

وفي النهاية، تكشف مأساة ترعة المريوطية أن الإهمال في ترك الترع والمصارف بلا حواجز أو تغطية في نقاط الخطر لم يعد مجرد عيب خدمي، بل صار تهديدا مباشرا لحق المواطنين في الحياة، وأداة قتل صامتة تتكرر بين القرى والطرق.

 

وبهذا المعنى، لا يحتاج المصريون إلى عزاء رسمي جديد بعد كل حادث غرق، بل يحتاجون إلى حواجز تفصل الطريق عن الترعة، وصرف مغطى في المناطق السكنية الخطرة، وخريطة إنقاذ وقائية، ومحاسبة لمسؤولين تركوا المجاري المائية تتحول إلى مقابر مفتوحة.