يؤكد ا. وليد شلبي، مشرف قسم الدعوة في إخوان أون لاين، أن ذكر الله تعالى بمختلف أنواعه وكيفياته يمثل معينًا لا ينضب للدعاة إلى الله، يتزودون منه بالقرب من الله، ويستعينون به على مشقات الطريق، ويواجهون به العقبات والمحن التي تعترض العاملين لدين الله. فالذكر ليس ترديدًا لفظيًا مجردًا، بل عبادة جامعة وصلة دائمة بالله، شرعت الأعمال والعبادات كلها لإقامته، وجعل الله فيه طمأنينة القلوب ورفعة النفوس وقوة الإرادة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾.
ويعرض النص منزلة الذكر في القرآن والسنة وكلام السلف، ثم يبين معانيه العقلية والقلبية واللسانية والعملية، وآثاره على الفرد والداعية والعمل الإسلامي، محذرًا من خطورة التفريط فيه وما يورثه من فتور وحرمان من العون وفقدان للهيبة والتأثير. كما يقدم علاجًا عمليًا للتفريط في الذكر يبدأ بمعايشة القرآن والسنة، والتحرر من المعاصي، والمواظبة على عمل اليوم والليلة، وملازمة الجماعة، واستثمار الأوقات البينية، حتى يصبح الذكر مصدر قوة دائمًا للداعية في طريقه.
الذكر معين الداعية وزاده الروحي
ينطلق ا. وليد شلبي من حقيقة مركزية، وهي أن الداعية لا يستطيع السير في طريق الدعوة بلا زاد روحي يربطه بالله في كل وقت وحين، لأن الطريق مليء بالمشقات والعقبات والمحن، ولا يثبت فيه إلا من جعل ذكر الله غذاء قلبه وقرة عينه ومصدر طمأنينته.
فالذكر، كما يعرض النص، هو عبادة الإنسان لربه، وهو سبيل القرب من الله، وأي منزلة أعظم للداعية من القرب من ربه. ولذلك نقل الكاتب قول مالك بن دينار: ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله، كما أورد ما جاء في بعض الكتب السابقة: معشر الصديقين، بي فافرحوا وبذكري فتغنموا.
ويستحضر النص كلام الإمام ابن قيم الجوزية عن الذكر، إذ يصفه بأنه نعمة كبرى ومنحة عظمى، تستجلب بها النعم وتستدفع النقم، وأنه قوت القلوب وقرة العيون وسرور النفوس وروح الحياة وحياة الأرواح، فلا يستغني عنه المسلم بحال من الأحوال.
ثم يربط الكاتب الذكر بحال المؤمنين الصادقين عند سماع اسم الله، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُوْنَ الَّذِيْنَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، وبكلام الأستاذ سيد قطب في تفسير الآية عن الارتعاشة الوجدانية التي تنتاب القلب المؤمن حين يذكر الله في أمر أو نهي.
وبذلك يتحول ذكر الله عند الدعاة الصادقين من مجرد كلمات تلوكها الألسنة إلى وقود دافع لنصرة دين الله وتحقيق الأهداف والمبادئ الإسلامية العليا. فالذاكر الحق حسن الخلق والمعاشرة، منتج ومؤثر في مجتمعه، وطاقة هائلة تتحرك في الواقع لا ألفاظًا جامدة.
منزلة الذكر في القرآن والسنة
يعرض النص آيات كثيرة تؤكد فضل الذكر والذاكرين، منها قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوْنِيْ أَذْكُرْكُمْ﴾، وقوله: ﴿الَّذِيْنَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَّقُعُودًا وَّعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
كما يورد الكاتب قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾، وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
أما في السنة النبوية، فيبرز النص أحاديث كثيرة تبين مكانة الذكر، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت، وهو حديث يضع الذاكر في مقام الحياة الحقيقية، والغافل في صورة الموت الروحي.
ويذكر الكاتب كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم عن رياض الجنة: حلق الذكر، وسؤاله عن خير الجلساء، فأجاب: من ذكركم بالله رؤيته، وزادكم في علمكم منطقه، وذكركم بالآخرة عمله. كما أورد حديث: ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، فذكر أن خير الأعمال ذكر الله.
ويورد النص أيضًا الحديث القدسي: أنا عند حسن ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، بما يؤكد أن الذاكر في معية الله ورعايته وذكره الأعلى.
الذكر عند السلف وعلامة حب الله
ينقل ا. وليد شلبي عن السلف فوائد كثيرة للذكر، منها ذكر الله للذاكر، ومغفرة الذنوب، ومعية الله، وحجز العبد عن الذنب، وإحاطة الملائكة به، ونزول الرحمة، والتحصن من الشيطان، وتحقيق معنى العبادة والدعاء، وصرف البلاء، والفوز بالشفاعة يوم القيامة.
ويؤكد النص أن كثرة الذكر علامة على حب الله، مستشهدًا بقول الربيع بن أنس عن بعض أصحابه: علامة حب الله كثرة ذكره، فإنك لن تحب شيئًا إلا تكثر ذكره. كما أورد قول الموصلي: المحب لله لا يغفل عن ذكره طرفة عين.
ويضيف الكاتب قول إبراهيم الجنيد: كان يقال من علامة المحب لله دوام الذكر بالقلب واللسان، وقلما ولع المرء بذكر الله إلا أفاد منه حب الله. وبهذا يقرر النص أن العلاقة بين الذكر والمحبة علاقة متبادلة، فالمحب يذكر، والذاكر يزداد حبًا.
كما يورد النص ما ذكره ابن القيم في الوابل الصيب من أن في الذكر أكثر من مائة فائدة، منها أنه يرضي الرحمن، ويطرد الشيطان، ويزيل الهم، ويجلب السرور، ويقوي القلب والبدن، وينور الوجه والقلب، ويجلب الرزق، وهو غراس الجنة.
معاني الذكر العقلية والقلبية واللسانية والعملية
يبين الكاتب أن الذكر ليس معنى واحدًا ولا طريقة واحدة، بل هو استحضار عظمة الله في جميع الأحوال، عقليًا وقلبيًا وقوليًا وفعليًا. فالمعنى العقلي يظهر في مراقبة الله أثناء العمل والتجارة والبيع والشراء، كما في قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
أما المعنى القلبي فيتجلى في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾، حيث تستقر عظمة الله في القلب وتتغلغل في النفس وتضرب في أعماق الضمير، فيثبت الداعية أمام المحن والشدائد، ويطمئن بما عند الله.
ويستشهد الكاتب بكلام سيد قطب عن طمأنينة القلب بذكر الله، حيث يصفها بأنها إحساس بالصلة بالله والأنس بجواره والأمن في جانبه، واطمئنان من قلق الوحدة وحيرة الطريق، وشعور بالحماية من كل اعتداء وشر إلا بما يشاء الله.
أما المعنى اللساني، فيظهر في ذكر الله باللسان، وفي الأدعية المأثورة والاستغفار وأذكار الصلوات، مستشهدًا بحديث: إن الله يقول أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه. ويؤكد النص أن الذكر باللسان يدخل في كل ما أمر الله به من ذكر.
ويشمل المعنى الفعلي التلاوة والعبادة والعلم. فالتلاوة ذكر، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾، والعبادة ذكر، كما في صلاة الجمعة، والعلم ذكر، كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾، ومجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام والعلم والعمل.
أنواع الذكر ومراتبه
يوضح النص أن العلماء حددوا أنواعًا متعددة للذكر، منها الصلوات والأذكار، وقراءة القرآن، ومجالس العلم لمعرفة الأمر والنهي والحلال والحرام، واتباع الشرع في كل خطوة، وكلها تصب في صهر الدعاة ليكونوا ربانيين.
ويقرر الكاتب أن أفضل الذكر قراءة القرآن، ثم الذكر والثناء، ثم أنواع الأدعية، وأن أكمل الذكر ما كان بالقلب واللسان معًا، ثم القلب وحده، ثم اللسان وحده. وبهذا يجعل النص الذكر عملا متكاملا لا ينفصل فيه اللسان عن القلب ولا القلب عن السلوك.
ومن هنا يشدد ا. وليد شلبي على ضرورة التمسك بالذكر بكل أنواعه وطرقه، وضرورة إعمال القلب واللسان فيه، حتى يتحقق وعد الله تعالى في قوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.
آثار ترك الذكر على الداعية
يحذر النص من أن التفريط في ذكر الله يصيب الداعية بآثار خطيرة، أولها المعيشة الضنك والقلق النفسي، استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾.
ومن آثار ترك الذكر القعود عن أداء الواجب أو الفتور فيه، لأن زاد المسلم في الطريق هو ذكر الله، فإذا فقده الداعية الذي تبوأ مقعد الصدارة ودعا إلى الله بلا زاد، كان ذلك بداية تقصيره وفتوره وضعف أدائه.
كما يؤدي التفريط إلى الحرمان من العون والتوفيق الإلهي، لأن عون الله لا يظفر به العبد إلا إذا كان على صلة طيبة بربه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.
ويذكر الكاتب أن من آثار ترك الذكر فقد الهيبة والتأثير في الناس، لأن من ضيع منزلته عند ربه ضاعت منزلته عند الناس، فلا يبقى لكلامه أثر ولا لجهده نور ولا لدعوته صدق حي في القلوب.
آثار التفريط على العمل الإسلامي
لا يقف أثر ترك الذكر عند الفرد، بل يمتد إلى العمل الإسلامي كله. لذلك يحذر الكاتب العاملين المخلصين من أن يكونوا سببًا في تأخر النصر بسبب التفريط في حق الله، ويدعوهم إلى أن يكونوا من أسباب النصر وتنزل الرحمات.
ومن آثار التفريط طول الطريق مع كثرة التكاليف، لأن العمل الذي يضيع المنتسبون إليه حق الله عليهم تطول به الطريق وتتضاعف عليه الأعباء، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾.
ومن آثاره أيضًا عدم الثبات في ساعات المحن والشدائد، لأن المحن لا يطيقها البشر بحولهم ولا بقوتهم، بل يحتاجون إلى العون والتأييد الإلهي، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: يا غلام، إني أعلمك كلمات.
علاج التفريط في الذكر
يقدم ا. وليد شلبي مجموعة من الوسائل العملية لعلاج التفريط في الذكر، أولها معايشة الكتاب والسنة، لقوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾، واتباع أحسن ما أنزل الله قبل أن يأتي العذاب بغتة.
ومن العلاج التحرر من المعاصي والسيئات، لا سيما الصغائر، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه. كما يذكر التوسط في المباحات، خصوصًا المطاعم والمشارب، استنادًا إلى حديث: ما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطنه.
ويؤكد النص أهمية المواظبة على عمل اليوم والليلة، ومحاولة التوفيق بين الواجبات والذكر، استنادًا إلى توجيه النبي صلى الله عليه وسلم: إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه.
كما يذكر الكاتب تقدير النعمة وأنها لا تدوم إلا بالطاعات، ومجاهدة النفس، وتقدير العواقب والآثار المترتبة على التفريط، وملازمة الجماعة، مستشهدًا بحديث: خياركم الذين إذا رؤوا ذكر الله.
ويضيف إلى وسائل العلاج الاستعانة التامة بالله، ومعايشة النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته، وتذكر الذنوب والآثام الماضية، وذكر الموت، واستثمار الأوقات البينية بالذكر، والنية بجعل كل عمل ذكرًا وتقربًا إلى الله.
ويختم العلاج بالدعوة إلى تفعيل جوانب الذكر العملي، والثقة بأنه مصدر صلة دائم بالله في كل وقت وحين، والاعتقاد التام بأنه من أهم مصادر القوة للداعية في طريقه الدعوي.
دواء القلوب
يختم النص بتذكير جامع من كلام السلف، أن دواء القلوب خمسة أشياء: قراءة القرآن، وقيام الليل، ومجالسة الصالحين، والتضرع عند السحر، وخلاء البطن. وكلها، كما يشير الكاتب، تدخل في معنى الذكر الواسع الذي يحيي القلوب ويثبت الدعاة.
وبذلك يصبح ذكر الله في رؤية ا. وليد شلبي ليس وردًا هامشيًا ولا عبادة موسمية، بل بناء متكامل للداعية، يبدأ من القلب واللسان، ويمتد إلى العلم والعمل والجهاد والصبر والثبات، حتى يكون الذاكر أقرب إلى الله وأقدر على حمل الدعوة وأصدق أثرًا في الناس.

