كشفت جلسات مجلس النواب في الجلسات الأخيرة، تصاعد غضب نواب من غياب وزراء ومسؤولين عن مناقشات رقابية، بعدما تغيب 4 وزراء ورئيس جهاز التنظيم والإدارة عن ملف يخص 7582 عاملًا بمراكز الشباب والأندية، فخرجت الجلسات بنتيجة سياسية مباشرة هي اتهام الحكومة بإضعاف رقابة البرلمان.

 

وبذلك، انتقلت الأزمة من خلاف إجرائي حول مواعيد الحضور إلى مسألة تمس حق العمال والمرضى وأصحاب الشكاوى في مساءلة الوزراء، لأن غياب المسؤول الأول يحول طلبات الإحاطة إلى أوراق مؤجلة، ويترك المواطن أمام حكومة تطلب التفويض ولا تقدم جوابًا حاضرًا تحت القبة.

 

غياب الوزراء يفرغ الرقابة من مضمونها

 

في البداية، رفع النائب أحمد بلال البرلسي سقف الانتقاد داخل لجنة الشباب والرياضة، بعدما اعتبر غياب وزراء التخطيط والمالية والعمل ورئيس جهاز التنظيم والإدارة رسالة سياسية سلبية، لأن الاجتماع لم يكن بروتوكوليًا بل كان مخصصًا لحل أوضاع عاملين بلا استقرار وظيفي ولا مظلة تأمينية واضحة.

 

ثم أكد البرلسي أن المشكلة لا تتعلق بمقعد شاغر داخل القاعة، بل بإرادة حكومية غائبة عن الحل، لأن اللجنة كانت تملك توصيات عملية تشمل هيكلًا وظيفيًا ومسابقات تعيين وتأمينًا اجتماعيًا، بينما بقيت الوزارات صاحبة القرار المالي والإداري خارج المواجهة المباشرة مع النواب.

 

ومن زاوية دستورية، يمنح رأي أستاذ القانون الدستوري صلاح فوزي هذا السجال وظيفة رقابية محددة، إذ يربط فاعلية طلبات الإحاطة والاستجوابات بوجود مقتضيات حقيقية لاستخدامها، لكن غياب الوزراء يجعل تلك المقتضيات قائمة، لأن الرقابة تفقد معناها عندما لا يجد النائب مسؤولًا يجيبه أمام المواطنين.

 

في السياق نفسه، هاجم النائب ضياء الدين داود تكرار مطالبة النواب بحضور الوزراء من دون استجابة كافية، وشدد على أن الحكومة لا تحضر البرلمان لمجرد الظهور، بل لكي تواجه السؤال العام وتتحمل مسؤولية قراراتها في توقيت اقتصادي وسياسي صعب لا يحتمل إدارة من خلف الأبواب.

 

وعلى هذا الأساس، يصبح حضور الوزير جزءًا من شرعية القرار التنفيذي لا تفصيلًا إداريًا، لأن الحكومة التي تطلب تمرير سياساتها داخل المجلس يجب أن تقبل مساءلتها داخله، أما الاكتفاء بإرسال ممثلين أو اعتذارات متأخرة فيحوّل الرقابة إلى إجراء ناقص لا يمسك بجوهر المسؤولية.

 

عاملون بلا تثبيت وحكومة ترد بدفاع جماعي

 

لاحقًا، تحولت أزمة العاملين بمحاضر مجالس إدارات مراكز الشباب والأندية إلى اختبار عملي لجدية الحكومة، لأن الملف يخص آلاف الأسر التي تعمل داخل منشآت عامة من دون استقرار كامل، بينما تحتاج أوضاعهم إلى قرارات مالية وتنظيمية لا تستطيع وزارة الشباب وحدها إصدارها أو تمويلها.

 

وفي المقابل، دافع وزير الشباب والرياضة جوهر نبيل عن زملائه الغائبين، وقال إن الحكومة تعمل كفريق واحد وإن غياب وزراء المالية والعمل والتخطيط لا يعني تعمدهم عدم الحضور، لكنه وضع نفسه في موقع الممثل عنهم رغم أن القضية تتجاوز اختصاص وزارته إلى المال والعمل والتنظيم الإداري.

 

غير أن هذا الدفاع زاد حدة الانتقاد بدل تهدئته، لأن عبارة الفريق الواحد لا تكفي عندما يكون القرار موزعًا بين وزارات متعددة، فالعمال لا يطلبون خطاب تضامن حكومي بل جدولًا واضحًا للتثبيت والتأمين وتحسين الأوضاع المالية، مع جهة مسؤولة تقبل المحاسبة إذا تعطل التنفيذ.

 

وبناءً على ذلك، منحت لجنة الشباب والرياضة وزارة الشباب مهلة 3 أسابيع لتنفيذ خطة لتقنين أوضاع العاملين، وشملت التوصيات تقديم كشوف نهائية بالأعداد، ووضع هيكل وظيفي، ودراسة مسابقة على بوابة الوظائف الحكومية، وتوفير مظلة تأمينية مؤقتة لحين إنهاء الملف.

 

هنا يخدم رأي نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية عمرو هاشم ربيع هذا المحور، لأنه يصف نمط البرلمان التمريري باعتباره امتدادًا للسلطة التنفيذية، وهو توصيف يشرح كيف يصبح الغياب الوزاري نتيجة طبيعية لعلاقة غير متوازنة تجعل الحكومة أقل قلقًا من الرقابة.

 

لذلك، لا يظهر ملف مراكز الشباب كقضية عمالية منفصلة، بل كدليل على أن الحكومة تترك أصحاب الحقوق بين لجان وتوصيات ومهل زمنية، بينما تغيب الوزارات القادرة على تحويل الكلام إلى قرارات ممولة، فتتحول الرقابة إلى ضغط محدود بدل أن تكون أداة إلزام فعلي.

 

ملفات المال والشفافية تضاعف أزمة الثقة

 

وفي الجلسات العامة، اتسعت دائرة الغضب مع انتقاد النائب جمال الفار غياب وزير الصحة عن مناقشة طلبات إحاطة تخص قطاعًا شديد الحساسية، لأن غياب الوزير عن ملف صحي لا يمس النواب وحدهم، بل يمس مريضًا ينتظر سرير رعاية أو دواء أو جوابًا على تعطل خدمة.

 

بعد ذلك، حاول وزير شؤون المجالس النيابية هاني حنا احتواء الهجوم، فأكد وجود تعليمات مشددة من رئيس الوزراء بحضور الوزراء والتواصل مع اللجان، ودعا النواب إلى إبلاغه بأي تقصير محدد، لكنه لم يقدم تعهدًا علنيًا ملزمًا يمنع تكرار الغياب أو يربطه بمساءلة واضحة.

 

وفي جلسة أخرى، جاء رد محمد عبد العليم داود أكثر حدة وهو يهاجم أداء الحكومات المتعاقبة في المال العام والاقتصاد، إذ ربط بين القروض والخسائر وسوء الإدارة، وقال إن استمرار هذا العجز يدفعه إلى التفكير في ترك موقعه ومصارحة الناس بعدم تحقق إنجاز حقيقي.

 

كما زادت موافقة مجلس النواب على مد أجل الدورة النقابية العمالية الحالية لمدة 6 أشهر من حساسية المشهد، لأن تمرير قوانين تمس العمال بالتزامن مع شكاوى غياب الوزراء يطرح سؤالًا مباشرًا عن حق أصحاب الشأن في رقابة علنية، لا عن سرعة التصويت وحدها.

 

وفوق ذلك، جاءت الدعوى القضائية المطالبة بإلزام مجلس النواب بإذاعة جلسات مناقشة مشروع قانون الأسرة لتفتح بابًا آخر للشفافية، لأن القوانين التي تمس البيوت والنساء والأطفال لا يجوز أن تدار في مساحات مغلقة، بينما يطالب النواب أنفسهم بحضور وزاري علني أمام الجمهور.

 

من جانبه، يضع رأي الباحث في علم الاجتماع السياسي عمار علي حسن هذه الوقائع داخل إطار أوسع، لأنه يرى أن إلحاق السلطة التشريعية بالتنفيذية يحول البرلمان إلى هيئة لاستيفاء الإجراءات، وهذا المعنى يفسر خطورة الغياب الوزاري عندما يتكرر داخل ملفات العمال والصحة والمال العام.

 

وعليه، لا تبدو الأزمة مجرد توتر عابر بين نواب ووزراء، بل تبدو صورة مكثفة لحكومة تحضر عند التصويت وتغيب عند السؤال، ومجلس يحاول بعض أعضائه استعادة أدواته وسط أغلبية مريحة للتمرير، ومواطن يدفع ثمن التأجيل في وظيفة مؤقتة وخدمة صحية وحق نقابي.

 

في النهاية، تحتاج الحكومة إلى أكثر من دفاع شفهي عن الغائبين وأكثر من تعليمات داخلية لا يراها المواطن، لأن احترام البرلمان يبدأ بحضور الوزير المختص أمام السؤال، واحترام المواطن يبدأ بتحويل طلب الإحاطة إلى إجابة وقرار، لا إلى موعد جديد في لجنة أخرى.