كشفت مشروعات الدلتا الجديدة والعاصمة الإدارية الجديدة ومدن الجيل الرابع عن توسع حكومي ضخم في الصحراء خلال العقد الأخير، من خلال نقل مراكز الإدارة والسكان والزراعة خارج وادي النيل، بينما تضع هذه السياسة الموازنة العامة أمام فاتورة إنفاق وتمويل لا يقابلها عائد اقتصادي سريع.

 

وتأتي هذه المشروعات في وقت يتحمل فيه المصريون آثار الديون والتضخم وخفض الإنفاق الاجتماعي، لذلك لا تبدو أزمة الدلتا الجديدة منفصلة عن العاصمة الإدارية أو المدن الجديدة، بل تمثل حلقة جديدة في سياسة توسع عمراني وزراعي تسبقها الدعاية وتلحق بها أسئلة الجدوى.

 

الدلتا الجديدة توسع زراعي ضخم وسؤال المياه والتمويل

 

تقدم الحكومة مشروع الدلتا الجديدة باعتباره مشروعا قوميا لزيادة الرقعة الزراعية وتعزيز الأمن الغذائي، وتربطه بمشروع مستقبل مصر ومحور الضبعة وشبكات الطرق والكهرباء والمياه، بينما تشير بيانات رسمية إلى استهداف استصلاح مساحات واسعة غرب الدلتا القديمة داخل الصحراء الغربية.

 

وبحسب بيانات حكومية منشورة، يقع المشروع جنوب محور الضبعة وغرب مشروع مستقبل مصر، ويربط بين نطاقات إدارية في مطروح والبحيرة والجيزة، كما تحدثت تصريحات رسمية عن زراعة 2.2 مليون فدان ضمن المشروع بعد تجهيز مسارات لنقل المياه وإعادة استخدامها.

 

غير أن تكلفة المشروع طرحت مبكرا أسئلة جدية، إذ تحدث وزير الزراعة السابق السيد القصير في يونيو 2021 عن استثمارات تصل إلى 300 مليار جنيه، وهو رقم ضخم في بلد يواجه فجوات تمويلية متكررة ويعتمد على الاقتراض الخارجي وسندات الدين.

 

ويقول الباحث الاقتصادي تيموثي كالداس إن الإنفاق الاستثنائي على المشروعات الكبرى ساهم في أزمة الدين المصرية، ويضع هذا التقدير مشروع الدلتا الجديدة داخل سياق أوسع، لأن المشكلة لا تتعلق بالزراعة وحدها بل بأولوية الإنفاق العام وطريقة حساب العائد.

 

وعلى هذا الأساس، يصبح السؤال المركزي هو قدرة المشروع على إنتاج قيمة دولارية صافية، لأن استصلاح الصحراء يحتاج إلى مياه وطاقة وطرق ومحطات معالجة وتمويل مستمر، بينما لا يضمن التوسع الأفقي في الزراعة وحده تقليل فاتورة الاستيراد إذا لم تحكمه دراسة جدوى منشورة.

 

العاصمة الإدارية ومدن الجيل الرابع تعمق نموذج البناء قبل السكان

 

وتتصدر العاصمة الإدارية الجديدة قائمة مشروعات السيسي التي قدمتها الحكومة كحل للازدحام الإداري والسكاني في القاهرة، إذ أنشئت شرق العاصمة القديمة لتضم الوزارات ومقرات حكومية ومناطق أعمال وأحياء سكنية، وبدأت بالفعل عملية نقل عدد من المؤسسات إليها.

 

ثم وسعت الدولة النموذج نفسه عبر مدن الجيل الرابع، ومنها العلمين الجديدة والمنصورة الجديدة وغيرها، بينما تصنف هيئة المجتمعات العمرانية مدنا قديمة مثل دمياط الجديدة ضمن أجيال المدن الجديدة، وتقول إن الهدف هو إعادة توزيع السكان بعيدا عن الشريط الضيق لوادي النيل.

 

لكن تجربة المدن الجديدة تكشف فجوة بين بناء الوحدات ونقل السكان فعليا، لأن الأسعار والخدمات وفرص العمل تحدد قرار الانتقال أكثر من حجم الطرق والمباني، لذلك لا يتحول التوسع العمراني إلى نجاح اجتماعي بمجرد إنشاء مدينة حديثة على الخريطة.

 

ويؤكد الباحث يزيد صايغ أن الدولة المصرية في عهد السيسي وسعت دور الأجهزة العسكرية والكيانات التابعة للدولة في إدارة البنية التحتية والإسكان والمناطق الصناعية، ويرى أن هذا النمط يعزز قبضة الدولة على الاقتصاد بدلا من ترسيخ سوق تنافسية مفتوحة.

 

بناء على ذلك، لا تظهر العاصمة الإدارية ومدن الجيل الرابع كمشروعات عمرانية فقط، بل كجزء من اقتصاد تقوده الدولة بأدوات مركزية وتكليفات كبرى، بينما يبقى القطاع الخاص والمواطن أمام أسعار مرتفعة وفرص محدودة داخل مشروعات لا تنبع غالبا من طلب سكاني طبيعي.

 

المستقبل الاقتصادي لا يبنى على لافتات عمرانية فقط

 

في المقابل، تقول الحكومة إن هذه المشروعات تمثل استثمارا طويل الأجل في البنية التحتية وتوسيع الرقعة المعمورة وتقليل الضغط على القاهرة والدلتا، وهي حجج تملك وجها تنمويا إذا ارتبطت بإنتاج حقيقي وفرص عمل مستقرة وقدرة المواطنين على السكن والعمل.

 

غير أن صندوق النقد الدولي ربط برنامجه مع مصر بإبطاء الإنفاق على البنية التحتية لتقليل التضخم والحفاظ على استدامة الدين، كما شدد على خفض الاستثمار العام وفتح المجال أمام القطاع الخاص، وهو ما يضع سياسة المشروعات الضخمة تحت رقابة مالية دولية مباشرة.

 

ويقول أستاذ إدارة المشروعات الكبرى بنت فليفبيرغ إن المشروعات العملاقة تخضع غالبا لقانون يتكرر عالميا، وهو تجاوز التكلفة والوقت مرارا، وتخدم هذه القاعدة ملف مصر لأن تكلفة التأخير والزيادة لا يدفعها منفذ المشروع وحده بل تتحملها الخزانة والمواطن.

 

لذلك لا يكفي وصف الدلتا الجديدة والعاصمة الإدارية بأنها مشروعات مستقبلية، لأن المستقبل الاقتصادي لا يبنى على لافتات عمرانية فقط، بل على عائد إنتاجي قابل للقياس وتوزيع عادل للموارد وقدرة حقيقية على تقليل الاستيراد وزيادة الصادرات وتشغيل السكان.

 

كما يطرح البعد الاجتماعي سؤالا لا تستطيع الحكومة تجاوزه، لأن نقل السكان خارج الوادي والدلتا يحتاج إلى دخول مناسبة وخدمات عامة وفرص عمل قريبة وأسعار إسكان قابلة للتحمل، بينما تحولت مدن كثيرة إلى مساحات عمرانية مرتفعة الكلفة بعيدة عن أغلب المواطنين.

 

مشروعات ضخمة أثرها الوحيد على معيشة المواطن هو الغلاء والضرائب

 

وتكشف الدلتا الجديدة في النهاية جوهر سياسة أوسع أعلنها السيسي مرارا، حيث تسبق الدولة الطلب الفعلي بمشروعات ضخمة وتطلب من المواطنين انتظار العائد، بينما تظهر الديون والضرائب وغلاء المعيشة فوريا، ويتأخر الدليل الاقتصادي على أن هذه الفاتورة كانت ضرورية.

 

وتبقى الخلاصة أن مصر لا تواجه نقصا في أسماء المشروعات الجديدة، بل تواجه نقصا في الشفافية حول تكلفة كل مشروع وعائده وتمويله، وإذا استمرت الحكومة في استبدال دراسات الجدوى بالدعاية الرسمية، ستظل الدلتا الجديدة امتدادا لمشروعات كبرى بلا جدوى معلنة يدفع المواطن ثمنها.