أكثر من 14 طلب إحاطة حاصرت الحكومة داخل مجلس النواب المصري بعد تصاعد أزمة تعطل منظومة صرف المعاشات والخدمات التأمينية في بعض المحافظات، بينما وسع طلب النائب أمير الجزار دائرة الاتهام إلى قرى مركز منوف في المنوفية بسبب نقص ماكينات الصراف الآلي وغيابها الكامل عن بعض القرى.
وتكشف الأزمة أن الحكومة نقلت عبء التحول الرقمي من مكاتبها إلى كبار السن وأصحاب الدخول الثابتة، فالمواطن الذي ينتظر معاشه لم يواجه عطلا تقنيا فقط، بل واجه إدارة عامة عاجزة عن ضمان خدمة أساسية قبل إعلان تطويرها، وهذا يضرب حقه اليومي في حياة كريمة.
منظومة رقمية تعطل حقوق أصحاب المعاشات يوميا
بدأت الأزمة من تنفيذ الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي برنامجا جديدا لتطوير خدماتها، واستحداث منظومة إدارة علاقات العملاء المعروفة باسم سي آر إم، مع إلغاء البرنامج القديم المعروف باسم إس إيه آي أو، ثم ظهرت النتيجة في تعطل خدمات تأمينية وصرف معاشات مواطنين في بعض المحافظات.
وجاءت طلبات الإحاطة من النواب أحمد البرلسي، محمد عامر، أحمد السنجيدي، أحمد فرغلي، حسين غيتة، علي عبد القادر، سناء برغش، محمد هلال، رمضان بطيئة، لطفي شحاتة، محمد إسماعيل، ضياء الدين داود، أسماء سعد الجمال، بما جعل الملف مساءلة جماعية لا شكوى فردية عابرة.
وفي هذا المحور، يخدم رأي خبير أمن المعلومات المهندس إسلام غانم زاوية فنية مباشرة، إذ ربط تعثر التحول الرقمي بمنطق شراء أنظمة أقل تكلفة دون منح خبراء التكنولوجيا الدور الحاسم في الاختيار، وهذا يجعل قرار التطوير نفسه مصدر تعطيل عندما تغلب الحسابات المالية على اختبار الملاءمة.
ثم زادت حدة المساءلة لأن الهيئة حاولت تقليل حجم الأزمة عبر توصيف ما جرى بأنه بطء في أداء بعض الخدمات لا تعطل كامل، غير أن طلبات الإحاطة سجلت أثرا مباشرا على صرف المعاشات والخدمات التأمينية، والبرلمان لا يناقش بطئا عابرا بل تعطيلا دفع ثمنه أصحاب الحقوق.
أصحاب المعاشات بين الطوابير ورسوم السحب
وفي امتداد الأزمة من المنظومة إلى نقطة الصرف، تقدم النائب أمير أحمد الجزار بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية ووزيرة التضامن الاجتماعي، بسبب نقص ماكينات الصراف الآلي في قرى مركز منوف بمحافظة المنوفية، وغيابها الكامل عن بعض القرى، مع المطالبة بإعفاء أصحاب المعاشات من رسوم السحب.
وعندما تختفي ماكينة الصراف من قرية كاملة، يتحول صرف المعاش إلى رحلة شهرية مرهقة لكبير سن أو أرملة أو صاحب دخل محدود، فينتقل المواطن إلى مدينة أو قرية مجاورة، ويدفع تكلفة انتقال ورسوم سحب محتملة، ثم يقف أمام ماكينة مزدحمة للحصول على مال هو حقه لا منحة حكومية.
ويعطي رأي شريف لقمان، وكيل محافظ البنك المركزي للشمول المالي، وظيفة واضحة لهذا المحور، لأنه ربط الشمول المالي بمحوري المرونة والتوصيل وزيادة ماكينات الصراف الآلي والقنوات الرقمية، وهو ما يكشف أن أي خطاب رسمي عن الشمول المالي يفقد معناه عندما تبقى قرى كاملة خارج الخدمة.
كذلك جاءت توصية لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب بإعفاء أصحاب المعاشات من رسوم السحب من ماكينات الصراف الآلي التابعة لكل البنوك، وزيادة الماكينات المتنقلة في فترات الذروة وأيام صرف المرتبات والمعاشات، لتؤكد أن الأزمة المصرفية لم تعد تفصيلا خدميا بل عبئا معيشيا متكررا.
محاسبة التحول الرقمي قبل تدوير الأزمة
وبالتزامن مع اتساع الشكاوى، حددت لجنة القوى العاملة بمجلس النواب برئاسة النائب محمد سعفان اجتماعين يوم الإثنين 18 مايو 2026 لمناقشة طلبات الإحاطة المتعلقة بتعطل الخدمات التأمينية وعدم صرف معاشات في بعض المحافظات، بما ينقل الملف من تداول إعلامي إلى مساءلة رسمية داخل اللجنة المختصة.
وفي هذا السياق، يخدم رأي خبير التكنولوجيا وأمن المعلومات محمد حمزة محور المحاسبة قبل تدوير الأزمة، لأنه حدد ضعف البنية التحتية ونقص المهارات الرقمية وعدم تكامل قواعد البيانات كعوامل تعرقل الأنظمة الإلكترونية، وهذه العوامل تعني أن العطل ليس قدرا تقنيا بل نتيجة إعداد ناقص.
لذلك لا يكفي أن تعلن الحكومة عودة الخدمات تدريجيا أو أن تصف الأزمة بأنها تحديات تشغيلية في مرحلة الإطلاق، فالمعيار العادل هنا هو عدد المواطنين الذين تعطل معاشهم، وعدد الخدمات التي توقفت، وعدد القرى التي تركت دون ماكينة صرف، وعدد أصحاب المعاشات الذين دفعوا رسوما للوصول إلى حقهم.
ومن هنا تبدو مطالب التوسع الفوري في ماكينات الصراف داخل قرى منوف، وإلزام البنوك بخطة زمنية للمناطق الريفية، وإنشاء نقاط صرف بديلة داخل الوحدات المحلية أو مكاتب البريد أو الوحدات الصحية، مطالب حد أدنى لا رفاهية، لأنها تحفظ للمواطن طريقا واضحا إلى معاشه دون إهانة أو استغلال.
وتضع الأزمة الحكومة أمام سؤال محدد لا يحتاج إلى بيانات مطولة، من يتحمل مسؤولية تطوير رقمي عطل خدمة أساسية، ومن يحاسب على ترك قرى بلا ماكينات صرف، ومن يعوض أصحاب المعاشات عن وقتهم ورسومهم ومشاويرهم، فالدولة التي تطلب من المواطن الثقة في الرقمنة يجب أن تضمن له معاشه أولا.

