في مشهد يلخص اتساع المأساة الفلسطينية بين الضفة الغربية وقطاع غزة، استشهد طفل فلسطيني برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي شمال رام الله، بالتزامن مع تصاعد هجمات المستوطنين على القرى الفلسطينية، فيما تتواصل التحذيرات الحقوقية والإنسانية من كارثة غير مسبوقة في قطاع غزة، حيث يواجه آلاف الأطفال خطر الموت جوعاً وسط انهيار الخدمات الصحية وتواصل استهداف الأبراج السكنية ومراكز الإيواء.

 

استشهاد طفل شمال رام الله وسط هجمات المستوطنين

 

وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية استشهاد الطفل يوسف علي يوسف كعابنة (16 عاماً)، برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي قرب بلدة جلجليا شمال رام الله، في ظل تصعيد ميداني واسع تشهده المنطقة.

 

وقال الهلال الأحمر الفلسطيني إن طواقمه تعاملت مع أربع إصابات خلال هجوم للمستوطنين شمال رام الله، بينها إصابة فتى برصاص حي في الصدر، قبل أن يُعلن لاحقاً عن استشهاده متأثراً بجراحه.

 

وتزامن استشهاد الطفل مع هجمات واسعة نفذتها مجموعات من المستوطنين ضد بلدتي سنجل وجلجليا شمال رام الله، حيث اقتحموا منازل المواطنين واعتدوا على الرعاة وسرقوا مئات رؤوس الأغنام، في واحدة من أكبر الاعتداءات التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة.

 

وأفادت مصادر محلية بأن مستوطنين اقتحموا أحد المنازل في بلدة سنجل وسرقوا نحو 700 رأس غنم، بينما اندلعت مواجهات مع الأهالي الذين حاولوا التصدي للهجوم واستعادة جزء من الأغنام المسروقة.

 

وامتدت الاعتداءات إلى أطراف قرية جلجليا، حيث هاجم المستوطنون منازل المواطنين وسرقوا معدات زراعية وأغناماً، في حين سرقت قوات الاحتلال جراراً زراعياً من التجمع البدوي الواقع بين جلجليا وسنجل.

 

كما شهدت قرية عبوين شمال رام الله اعتداءً مشابهاً، بعدما استولى مستوطنون، تحت حماية قوات الاحتلال، على قطيع من الأغنام.

 

تحذيرات حقوقية: أطفال غزة على حافة المجاعة

 

وفي قطاع غزة، حذّر مركز غزة لحقوق الإنسان من تفشٍ حاد لسوء التغذية بين الأطفال دون سن الخامسة، مؤكداً أن آلاف الأطفال باتوا مهددين بالموت أو بإصابات صحية دائمة نتيجة استمرار القيود على دخول الغذاء والدواء وتدهور الخدمات الصحية.

 

وقال المركز في بيان إن أكثر من 71 ألف طفل دون سن الخامسة يواجهون خطر سوء التغذية الحاد خلال عام 2026، بينما يعاني أكثر من 13 ألف طفل من أوضاع خطيرة تتطلب علاجاً غذائياً عاجلاً ومكثفاً.

 

وأشار المركز إلى أن تدفقات المساعدات الإنسانية إلى القطاع تراجعت بنسبة 37% مقارنة بالفترات السابقة، وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، موضحاً أن حجم المساعدات انخفض من أكثر من 167 ألف طن متري إلى أقل من 105 آلاف طن خلال الأشهر الأخيرة.

 

وأرجع البيان هذا التراجع إلى القيود الإسرائيلية على حركة الشاحنات والبضائع، وارتفاع نسب إعادة المساعدات ومنع دخول أصناف غذائية وطبية أساسية، من بينها حليب الأطفال والفيتامينات والمكملات العلاجية.

 

وأكد المركز أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بنقص كميات الغذاء، بل أيضاً بانعدام التنوع الغذائي الضروري لنمو الأطفال، إلى جانب انهيار شبكات المياه والصرف الصحي ونقص الوقود اللازم لتشغيل المستشفيات ومراكز علاج سوء التغذية.

 

ووفق تقديرات منظمة الصحة العالمية، فإن أكثر من 100 ألف طفل في غزة، إضافة إلى نحو 37 ألف امرأة حامل ومرضع، معرضون لخطر سوء التغذية الحاد، في وقت تشهد فيه المستشفيات والمراكز الصحية انهياراً متواصلاً بفعل الحرب والحصار.

 

كما أظهرت بيانات حديثة أن نحو 13.5% من الأطفال الذين خضعوا للفحص الطبي في غزة يعانون من سوء تغذية حاد، فيما ارتفعت النسبة في بعض المناطق إلى 19%، ما يعكس اتساع رقعة الأزمة الإنسانية داخل القطاع.

 

وشدد المركز الحقوقي على أن حرمان الأطفال من الغذاء والرعاية الصحية يمثل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي الإنساني، محذراً من أن استخدام القيود على دخول المواد الأساسية قد يرقى إلى مستوى العقاب الجماعي المحظور دولياً.

 

وطالب المركز المجتمع الدولي بالتدخل العاجل لرفع القيود المفروضة على دخول الغذاء والدواء والوقود، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، إلى جانب فتح تحقيق مستقل في تداعيات سياسات الإمداد الغذائي على الأطفال المدنيين في غزة.

 

الأمهات في غزة.. حياة بين النزوح والجوع والفقد

 

وفي مراكز النزوح المنتشرة في أنحاء القطاع، تتواصل معاناة آلاف الأمهات الفلسطينيات اللواتي وجدن أنفسهن بين فقدان الأبناء والأزواج ومواجهة الجوع والنزوح المتكرر.

 

داخل خيمة مهترئة في خان يونس، تستعيد النازحة الفلسطينية وداد النجار تفاصيل رحلة نزوح بدأت منذ الأيام الأولى للحرب، مؤكدة أن عائلتها اضطرت إلى النزوح أكثر من ست مرات بحثاً عن الأمان.

 

وتقول إن أكثر ما يثقل قلبها هو غياب ابنها الوحيد، الذي فقدت الاتصال به منذ الأشهر الأولى للحرب، مضيفة أنها تعيش يومياً بين أمل العثور عليه وخوف فقدانه إلى الأبد.

 

وفي مخيم نزوح آخر، تروي الأم هدى المدني معاناتها بعد استشهاد أحد أبنائها واعتقال الآخر في السجون الإسرائيلية منذ أكثر من عامين، بينما يكبر حفيدها دون أن يرى والده.

 

أما الأرملة أم محمود بركة فتقول إنها أصبحت “أماً وأباً في الوقت نفسه” بعد مقتل زوجها، في ظل غياب أي مصدر دخل وتفاقم أزمة الغذاء والمياه داخل مراكز الإيواء.

 

وبحسب بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة، فإن نحو 38 ألف امرأة وفتاة استشهدن في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب، بينما نزحت قرابة مليون امرأة وفتاة عدة مرات، في حين تواجه مئات الآلاف منهن مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

 

كما تشير التقديرات إلى أن أكثر من 22 ألف امرأة فقدن أزواجهن خلال الحرب، بينما تواجه عشرات الآلاف من النساء الحوامل والمرضعات مخاطر صحية متزايدة بسبب سوء التغذية وانهيار النظام الصحي.

 

استهداف الأبراج السكنية.. سياسة تدمير ممنهجة

 

وفي موازاة الأزمة الإنسانية، تتواصل عمليات تدمير الأبراج والبنايات السكنية في قطاع غزة، وسط اتهامات حقوقية لإسرائيل باتباع سياسة ممنهجة تستهدف تفكيك البنية المدنية وإجبار السكان على النزوح القسري.

 

ووثقت منظمة العفو الدولية تدمير ما لا يقل عن 13 برجاً سكنياً مرتفعاً في مدينة غزة بين سبتمبر وأكتوبر 2025، بعد عمليات إخلاء قسري للسكان قبل القصف.

 

وأكدت المنظمة أن هذه الأبراج كانت تؤوي آلاف المدنيين والنازحين، مشيرة إلى عدم وجود أدلة تثبت استخدامها لأغراض عسكرية، وهو ما يثير شكوكا واسعة بشأن قانونية استهدافها.

 

وقالت إريكا غيفارا روساس إن “جميع الأدلة المتوفرة تشير إلى أن تدمير هذه المباني لم تقتضه العمليات الحربية”، معتبرة أن ما جرى قد يندرج ضمن جرائم الحرب والعقاب الجماعي.

 

كما لفتت المنظمة إلى أن التصريحات الرسمية الإسرائيلية التي ربطت تدمير الأبراج بالضغط على حركة حماس تعكس توجهاً لاستخدام معاناة المدنيين كوسيلة ضغط سياسية.

 

وتكشف شهادات السكان عن مشاهد نزوح قاسية، حيث مُنحت العائلات دقائق معدودة لمغادرة الأبراج قبل قصفها، ما أدى إلى حالات هلع وصدمة نفسية واسعة، خصوصاً بين الأطفال.

 

وتشير تقديرات مشتركة للبنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة إلى أن أكثر من 371 ألف وحدة سكنية في قطاع غزة تعرضت للتدمير أو الضرر خلال عامين من الحرب، وهو ما يمثل أكثر من 76% من إجمالي المنازل في القطاع.

 

كما أظهرت صور الأقمار الصناعية تعرض نحو 83% من منشآت مدينة غزة للتدمير أو الأضرار، في واحدة من أكبر موجات الدمار العمراني التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة.

 

وفي ظل استمرار القصف ونقص الغذاء والدواء والمياه، تتزايد التحذيرات الحقوقية والإنسانية من أن قطاع غزة يواجه كارثة مركبة، لا تقتصر على الخسائر البشرية الفورية، بل تمتد إلى آثار طويلة الأمد تهدد جيلاً كاملاً من الأطفال والنساء والنازحين.