قررت جهات التحقيق في الإسكندرية (شمال مصر) إخلاء سبيل 4 متهمين على خلفية زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المدينة، بكفالة مالية قدرها 10 آلاف جنيه لكل متهم، بحسب المحامي محمد رمضان أبو بيبرس، وجاء القرار بعد مغادرة ماكرون ليكشف ارتباط القبض المؤقت بإدارة المشهد الأمني المصاحب للزيارة.

 

وأعاد القرار فتح ملف التعامل الأمني مع المواطنين خلال الزيارات الأجنبية، لأن توقيت إخلاء السبيل جعل الحرية مرتبطة بانتهاء المناسبة لا بانتهاء خطر حقيقي معلن، كما وضع الحكومة أمام سؤال مباشر عن استخدام الإجراءات الجنائية لحماية صورة سياسية مؤقتة أمام ضيف دولي.

 

إخلاء السبيل بعد الزيارة يفضح منطق القبض المؤقت

 

بدأت الواقعة بإعلان المحامي محمد رمضان أبو بيبرس أن جهات التحقيق قررت إخلاء سبيل 4 متهمين بكفالة 10 آلاف جنيه لكل شخص، بعد ارتباط أسمائهم بخلفية زيارة ماكرون إلى الإسكندرية، وهو إعلان منح القضية إطارها القانوني والسياسي في الوقت نفسه.

 

ثم جاء التوقيت ليحمل الدلالة الأهم، لأن القرار صدر بعد مغادرة الرئيس الفرنسي المدينة، بما يجعل السؤال عن سبب استمرار القيود قبل المغادرة سؤالًا مشروعًا، خاصة أن الكفالة المالية لا تمحو أثر القبض ولا تعيد للمتهمين أيامهم وطمأنينة أسرهم.

 

وفي هذا الموضع، يخدم رأي المحامي الحقوقي خالد علي محور الإجراءات الجنائية، لأنه حذر أكثر من مرة من توسع الحبس والقبض بسبب أحاديث ومقاطع على وسائل التواصل، وأظهر أن التهم العامة مثل الانضمام والنشر تتحول إلى باب واسع لتقييد المواطنين.

 

وبذلك لا تبدو الكفالة هنا نهاية مريحة للقصة، لأن مبلغ 10 آلاف جنيه لكل متهم يمثل عبئًا ماليًا إضافيًا على أسر دفعت أصلًا ثمن القلق والمتابعة القانونية، كما أن قرار الإخلاء لا يجيب عن سبب ربط حرية 4 مواطنين بزيارة رئيس أجنبي.

 

الإسكندرية تحت الزيارة الفرنسية وحقوق المواطنين خارج المشهد

 

تزامنت الواقعة مع زيارة إيمانويل ماكرون إلى الإسكندرية، حيث ظهر الرئيس الفرنسي في جولات علنية داخل المدينة، وشملت الزيارة مشاهد سياسية وسياحية وإعلامية واسعة، بينما ظل ملف المواطنين الموقوفين في الخلفية حتى أعلن المحامي قرار إخلاء سبيلهم بعد المغادرة.

 

لكن المشهد الرسمي ركز على رسائل الأمن والاستقرار والصورة المنظمة للمدينة، بينما كشفت واقعة المتهمين أن الدولة تعاملت مع المجال العام كمساحة يجب ضبطها قبل الزيارة، لا كمدينة يعيش فيها مواطنون يملكون حق الحركة والكلام دون تهديد جنائي.

 

ومن هذه الزاوية، يخدم موقف حسام بهجت ومركزه الحقوقي هذا المحور، لأن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وثقت في تقرير حبس بلا نهاية تحول الحبس الاحتياطي من إجراء احترازي إلى عقوبة سياسية، ووصفت تجاوز المدد القانونية كدليل على خلل مؤسسي.

 

لذلك تبدو زيارة ماكرون هنا أكثر من حدث بروتوكولي، لأنها كشفت الفارق بين الصورة التي تريد السلطة تصديرها للخارج والواقع الذي يعيشه المواطن داخل الداخل، فالضيف يتحرك وسط عناية أمنية وإعلامية، والمواطن قد يجد نفسه أمام تحقيق وكفالة بسبب سياق الزيارة.

 

الكفالة لا تمحو أثر القبض ولا تغلق ملف الحريات

 

يفتح قرار إخلاء السبيل بكفالة 10 آلاف جنيه بابًا آخر يتعلق بمعنى العدالة في القضايا السياسية والمرتبطة بالمجال العام، لأن الدولة تستطيع أن تنهي القيد المؤقت بعد انتهاء الحدث، لكنها لا تستطيع إلغاء الأثر النفسي والاجتماعي الذي يتركه القبض على المتهمين وأسرهم.

 

كما أن استخدام الكفالة في قضايا من هذا النوع يعمق فكرة العقوبة قبل الإدانة، فالمواطن لا يخرج من التجربة سالمًا، بل يخرج مثقلًا بتكلفة قانونية ومالية وبإشارة أمنية قد تظل تلاحقه في عمله وحركته، حتى لو لم تصدر محكمة حكمًا بحقه.

 

وفي هذا السياق، يخدم رأي الحقوقي جمال عيد هذا المحور، لأنه انتقد اختلال العدالة في مصر وتحدث عن حبس متهمين بالتظاهر سنوات احتياطيًا، وهذا الربط يوضح أن الكفالة لا تكفي وحدها إذا تحول الإجراء نفسه إلى وسيلة لإرهاق الناس.

 

وبناء على ذلك، يصبح السؤال السياسي أقوى من السؤال الإجرائي، لأن الحكومة مطالبة بتفسير سبب القبض على مواطنين في خلفية زيارة مسئول أجنبي للبلاد، ومطالبة بتوضيح معايير الاشتباه، ومطالبة أيضًا بمنع تحويل الضبط المؤقت إلى رسالة تخويف لكل من يقترب من المجال العام.

 

وختاما؛ تكشف واقعة إخلاء سبيل 4 متهمين بعد مغادرة ماكرون أن الأزمة ليست في قرار قانوني منفصل، بل في عقلية تعتبر المواطن خطرًا محتملًا وقت الزيارات الرسمية، ثم تعيد فتح الباب بعد انتهاء المشهد المصور، وكأن الحرية إجراء تابع لجدول الضيف الأجنبي.

 

وتضع الكفالة البالغة 10 آلاف جنيه لكل متهم الحكومة أمام مسؤولية مباشرة، لأن الدولة التي تريد تقديم الإسكندرية كواجهة آمنة لا تملك حق إخفاء كلفة هذا الأمان على المواطنين، ولا تملك تحويل الزيارة الدبلوماسية إلى سبب لتوسيع الاشتباه والقبض والتحقيق.

 

ولهذا تبدو الواقعة شهادة جديدة على نظام يدير السياسة بمنطق الصورة، ويدير القانون بمنطق الاحتياط الأمني، ويدير المواطن بمنطق الكلفة الدائمة، بينما يكشف توقيت الإفراج أن انتهاء الزيارة كان العامل الحاسم لا ظهور ضمانات حقيقية لحماية الحرية.