هاجم الكاتب والروائي عمار علي حسن وزير الصحة خالد عبد الغفار بعد أزمة لقائه مع نواب من مجلسي النواب والشيوخ في مايو 2026، ووصف قوله للنواب أنا غلطان إني جت لكم بأنه سقطة سياسية غير مسبوقة، بعدما تحول لقاء يفترض أنه مخصص لمطالب المواطنين إلى مشهد غضب وانسحاب واستهانة بالرقابة.

 

 

تضع الواقعة علاقة وزراء السيسي بالمصريين أمام اختبار مباشر، لأن الأزمة لم تبدأ من ملف هامشي، بل من طلبات صحية وخدمية ينقلها نواب عن دوائرهم، ثم انتهت إلى رسالة واضحة مفادها أن مجرد مناقشة المطالب يضيق صدر الوزير بها قبل أن يصل المواطن نفسه إلى باب الوزارة.

 

عمار علي حسن يضع الأزمة في خانة غياب السياسة

 

بدأت القصة داخل لقاء دوري جمع وزير الصحة خالد عبد الغفار بعدد من نواب مجلسي النواب والشيوخ، حيث نقل النواب طلبات خدمية مرتبطة بالدوائر والقطاع الصحي، قبل أن يتطور التوتر بسبب طريقة تعامل الوزير مع الحضور واعتراض النائبين طارق عبد العزيز وأحمد الهواري على أسلوب إدارة اللقاء.

 

بعد ذلك، قالت روايات صحفية إن الوزير غادر اللقاء غاضبًا بعدما قال للنواب أنا غلطان إني قابلتكم، وهي عبارة اختصرت طريقة تعامل مسؤول حكومي مع ممثلين يفترض أنهم ينقلون مطالب مرضى وأهال ينتظرون خدمة صحية لا منحة شخصية من مكتب الوزير.

 

ثم جاء تعليق عمار علي حسن ليضع الواقعة في إطار أوسع من لحظة غضب، إذ قال إن وزير الصحة الحالي يحتاج إلى دروس في السياسة، واعتبر غضبه أمام مجلس الشيوخ غير مبرر، ورأى أن العبارة المنسوبة إليه سقطة سياسية متوقعة في عهد غابت فيه السياسة.

 

بهذا المعنى، لم يتعامل عمار علي حسن مع الأزمة كخلاف بروتوكولي بين وزير ونواب، بل قرأها كعلامة على نظام حكم فقد قدرة الإنصات والتفاوض، لأن السياسة عنده ليست زينة شكلية، بل شرط لازم لنجاح الاقتصاد والأمن وإدارة مطالب المجتمع.

 

من مكتب الوزير إلى حق المواطن في المساءلة

 

في السياق نفسه، لا تقف خطورة الواقعة عند غضب وزير الصحة، لأن النواب الذين حضروا اللقاء لم يطلبوا امتيازًا نظريًا، بل حملوا شكاوى خدمية في قطاع يمس المرضى والمستشفيات والعلاج، ولذلك يصبح الانسحاب من اللقاء انسحابًا من أصل وظيفة الوزير أمام الناس.

 

كذلك تكشف العبارة المنسوبة إلى الوزير عقلية تعتبر مقابلة النواب تفضلًا شخصيًا لا واجبًا سياسيًا وإداريًا، مع أن المسؤول التنفيذي يتلقى راتبه وسلطته من موقع عام، ويجب عليه أن يجيب عن أسئلة الصحة والعلاج والانتظار ونقص الخدمات من دون تأفف أو إهانة.

 

ومن هنا يفيد رأي أستاذ العلوم السياسية حسن نافعة في تفسير جوهر الأزمة، لأنه شدد سابقًا على أن إخضاع أداء الحكومة لرقابة البرلمان من أهم ركائز النظم الديمقراطية، وهذه القاعدة تجعل غضب الوزير من مساءلة النواب اعتداءً سياسيًا على وظيفة البرلمان نفسها.

 

لذلك تبدو الواقعة جزءًا من نمط أوسع داخل حكومة السيسي، حيث يتحول البرلمان إلى ممر طلبات فردية بدل أن يكون منصة مساءلة عامة، ويتحول الوزير إلى صاحب باب يفتحه أو يغلقه، بينما يبقى المواطن خارج المشهد رغم أن قضيته الصحية هي أصل الاجتماع كله.

 

وزراء السيسي يتعاملون مع المطالب كعبء لا كحق

 

على المستوى السياسي، تكشف الأزمة أن السلطة التنفيذية لا ترى في مطالب المصريين حقًا أصيلًا، بل تراها ضغطًا مزعجًا على مسؤولين اعتادوا الكلام من أعلى إلى أسفل، ولهذا صارت عبارة أنا غلطان إني قابلتكم أكثر من انفعال عابر داخل اجتماع مغلق.

 

وفي المقابل، يوضح رأي عمرو الشوبكي جانبًا مهمًا من المشكلة، لأنه قال إن البرلمان ليس جزيرة منعزلة عن حالة الأداء السياسي في مصر، وأكد أن ممارسة النقد وإظهار أوجه القصور هو طريق التطوير، وهو ما يجعل إغلاق النقاش مع النواب ضربًا لفكرة الإصلاح من أساسها.

 

بعدها تتضح الصلة بين هذه الواقعة ونمط الحكم القائم على إضعاف السياسة، لأن الوزير الذي يغضب من نائب يسأل أو يراجع أو يطالب لا يخاصم شخصًا بعينه، بل يخاصم حق الناس في أن تصل شكاواهم إلى الحكومة عبر قناة معلنة بدل التسول الإداري وراء الأبواب.

 

كما يدعم زياد بهاء الدين هذا المحور من زاوية مختلفة، لأنه ربط سابقًا نجاح السياسات العامة بوجود مناخ سياسي ومؤسسي يسمح بالعمل والمحاسبة، وأشار إلى أن الحكومة غير ممكّنة من عملها في مناخ لا يساعد أي رئيس وزراء على النجاح.

 

لذلك تصبح أزمة وزير الصحة مرآة لطريقة إدارة الدولة لا حادثًا منفصلًا، فالمواطن يواجه مستشفى مزدحمًا وطبيبًا منهكًا ودواء مرتفع السعر، ثم يسمع أن الوزير يغضب من نواب يحملون طلبات خدمية، وكأن المشكلة ليست في ضعف الخدمة بل في جرأة الناس على الكلام.

 

وعلى هذا الأساس، لا تكفي أي محاولة لاحقة لتخفيف العبارة أو وصفها بسوء فهم، لأن النص السياسي للواقعة صار واضحًا، وزير يضيق بالنواب، ونواب يشتكون طريقة التعامل، وكاتب سياسي يرى السقطة نتيجة طبيعية لغياب السياسة عن النظام الحاكم.

 

في النهاية، لا تكشف عبارة وزير الصحة عن أزمة أدب سياسي فقط، بل تكشف عن سلطة ترى مطالب المصريين عبئًا لا حقًا، وترى النقاش إزعاجًا لا رقابة، وترى الوزير فوق السؤال لا خادمًا عامًا، ولذلك جاءت إدانة عمار علي حسن كاشفة لا غاضبة فقط، لأنها وضعت الحادثة في قلب أزمة حكم لا في هامش خلاف عابر.