تحذر التطورات التصاعدية بمضيق هرمز وملف التفاوض الأمريكي الإيراني، الجاري الآن من أن احتمالات تجدد القتال المباشر بين واشنطن وطهران لم تنته بعد، رغم الحديث عن مذكرة تفاهم من 14 بندا لوقف الحرب وفتح تفاوض جديد حول النووي والعقوبات والملاحة.
وتضع هذه الاحتمالات المنطقة أمام خطر أوسع من مواجهة بين جيشين، لأن أي ضربة أمريكية جديدة ستدفع إيران إلى الرد عبر الخليج والقواعد الأمريكية والممرات البحرية، بينما ستتحرك إسرائيل وحلفاء طهران في لبنان والعراق واليمن داخل معادلة لا يملك المدنيون دفع ثمنها.
الخليج ومضيق هرمز في قلب أي جولة قتال جديدة
في البداية، يظهر الخليج باعتباره الساحة الأولى لأي تجدد للقتال بين أمريكا وإيران، لأن واشنطن لا تستطيع خوض مواجهة مع طهران من دون قواعدها وشركائها وممرات الطاقة، بينما تعرف إيران أن ضرب المصالح الأمريكية في البحر يرفع الكلفة على العالم كله وليس على واشنطن وحدها.
بعد ذلك، تكشف أزمة مضيق هرمز أن القتال المباشر لن يبقى داخل سماء إيران أو فوق منشآت عسكرية أمريكية، لأن المضيق يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، وأي تعطيل أو تهديد أو قصف لسفينة سيؤثر في الأسعار والتأمين والشحن والموانئ الخليجية.
ثم يصبح موقف دول الخليج بالغ الحساسية، فهي لا تريد حربا شاملة على أراضيها، لكنها تستضيف قواعد ومصالح أمريكية تجعلها داخل دائرة الرد الإيراني، ولذلك تتحول الإمارات وقطر والبحرين والكويت والسعودية إلى ساحات خطر حتى لو أعلنت أنها لا تريد التصعيد.
وفي هذا المحور، يخدم رأي فالي نصر، أستاذ السياسة الدولية ودراسات الشرق الأوسط في جامعة جونز هوبكنز، زاوية ميزان الردع الخليجي، لأنه يرى أن إيران حولت الصمود في الحرب وإرباك الملاحة في هرمز إلى ورقة تفاوض، بعدما فشلت واشنطن في فرض استسلام سريع.
لذلك لا يقتصر تجدد القتال على معركة عسكرية قصيرة، لأن ضربة أمريكية جديدة قد تفتح سلسلة ردود إيرانية على السفن والقواعد والمنشآت، وقد تدفع واشنطن إلى توسيع الحصار أو المرافقة البحرية، فتتحول الملاحة إلى خط تماس يومي بين الطرفين.
العراق ولبنان واليمن ساحات ضغط لا جبهات منفصلة
في المقابل، يضع العراق أي قتال أمريكي إيراني أمام احتمال التصعيد السريع، لأن الوجود العسكري الأمريكي هناك يقع قرب فصائل مرتبطة بطهران، كما أن الحكومة العراقية لا تملك قدرة كاملة على منع تحول أراضيها إلى ساحة رد ورسائل متبادلة بين واشنطن وإيران.
وبناء على ذلك، فإن أي استهداف أمريكي جديد لإيران قد يقابل بهجمات على قواعد أو مصالح أمريكية في العراق وسوريا، لأن طهران تعرف أن الرد المباشر داخل الخليج وحده قد لا يكفي، بينما تمنحها ساحات النفوذ القدرة على توسيع الضغط دون إعلان حرب شاملة.
كما يدخل لبنان في الحساب نفسه، لأن إسرائيل تواصل التعامل مع حزب الله باعتباره جزءا من قوة إيران الإقليمية، وقد أظهرت ضربة بيروت في 6 مايو أن تل أبيب قادرة على خرق الهدنة عندما ترى فرصة عسكرية، وهو ما يهدد بإشعال جبهة لبنان مع أي جولة أمريكية إيرانية.
وفي هذا السياق، يقدم دانيال ليفي، الدبلوماسي الإسرائيلي السابق ورئيس مشروع الولايات المتحدة والشرق الأوسط، قراءة مهمة لدور إسرائيل، لأنه ينتقد اعتماد تل أبيب على القوة العسكرية بوصفها سياسة دائمة، ويرى أن منطق الأمن الإسرائيلي يمدد الحروب بدل أن ينتج تسويات مستقرة.
أما اليمن، فيحضر عبر البحر الأحمر وباب المندب، لأن أي تجدد للقتال سيمنح الحوثيين مساحة أوسع لاستهداف الملاحة المرتبطة بأمريكا أو إسرائيل، وبذلك تصبح خطوط التجارة بين الخليج والبحر الأحمر جزءا من الحرب حتى إذا بدأ الاشتباك الأساسي في هرمز.
إسرائيل والأسواق والوسطاء يحددون حدود التصعيد
على المستوى السياسي، لا تتحرك واشنطن وحدها في قرار تجديد القتال، لأن إسرائيل تضغط باتجاه منع إيران من استعادة قوتها النووية والإقليمية، بينما تخشى دول الخليج من دفع ثمن حرب لا تملك قرارها، وتبحث الصين وباكستان ووسطاء آخرون عن صيغة تمنع انفجار التجارة والطاقة.
ثم تكشف المفاوضات الأخيرة أن واشنطن تريد اتفاقا ينهي الحرب بشروط أمريكية، ويعيد فتح هرمز، ويفرض قيودا على التخصيب، ويرفع بعض العقوبات تدريجيا، لكنها أبقت حق العودة إلى الضربات إذا فشلت المحادثات، وهذا الشرط يجعل الهدنة أقرب إلى إنذار مؤجل.
وفي هذا المحور، يخدم رأي تريتا بارسي، نائب رئيس معهد كوينسي، زاوية فشل سياسة القوة السريعة، لأنه يرى أن إدارة ترامب تبحث عن حل عسكري خاطف بدل تفاوض جاد، وأن الضغط الأقصى يدفع إيران إلى رفع الكلفة الإقليمية بدلا من تقديم تنازلات مجانية.
كذلك تؤكد سانام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، أن وقف إطلاق النار خطوة ضرورية بعيدا عن حافة الهاوية، لكنها تربطه بتهديدات واسعة طالت البنية الإيرانية والخليجية واضطراب الشحن عبر هرمز، وهو ما يعني أن الهدنة بلا ترتيبات أمنية لا تكفي.
وبهذا المعنى، تصبح الأسواق طرفا غير مباشر في قرار الحرب، لأن ارتفاع النفط أو ضرب سفينة أو توقف ممر بحري سيدفع العواصم الكبرى إلى الضغط على واشنطن وطهران، لكن هذا الضغط قد يأتي بعد أضرار تقع على العمال والموانئ والمدنيين في المنطقة.
وفي الخلاصة، تبدو الأبعاد الإقليمية لتجدد القتال بين أمريكا وإيران أخطر من الضربة الأولى نفسها، لأن الخليج سيواجه خطر الطاقة، والعراق سيواجه خطر القواعد والفصائل، ولبنان سيواجه خطر جبهة إسرائيلية مفتوحة، واليمن سيواجه احتمال توسيع حرب البحر الأحمر.
لذلك لن ينجح أي اتفاق مؤقت إذا ترك إسرائيل تضرب لبنان، أو أبقى هرمز تحت التهديد، أو تجاهل القواعد الأمريكية في الخليج والعراق، لأن القتال بين واشنطن وطهران ليس خطا مستقيما بين دولتين، بل شبكة جبهات متصلة تنتظر شرارة واحدة كي تعود للاشتعال.

