سامح راشد
باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط
على أهمية قرار الإمارات الانسحاب من منظمة أوبك وخطورته، جاءت ردّات الفعل أقلّ من المتوقَّع. أو بالأدق، أقلّ من المفترض وفقًا للمعطيات التقليدية والأوضاع الإقليمية والعالمية التي كانت مستقرّة عقودًا، لكن واقع الحال أنّ الإمارات ليست أوّل دولة تنسحب من منظّمة عالمية أو إقليمية. في الأعوام القليلة الماضية، تراجعت أهمّية المنظّمات الإقليمية والعالمية بمعدّل متسارع، فتعرّضت لتجاهل أهدافها، وللتهرّب من التزامات عضويتها، وها هي تشهد مرحلة انسلاخ الدول عنها فعليًا ورسميًا.
وقد أعلنت الولايات المتحدة، مطلع العام الجاري، انسحابها من 66 منظّمة دولية، اشتملت على أكثر من 30 جهة أممية. وفي 2020، أتمّت بريطانيا عملية خروجها من الاتحاد الأوروبي... وهكذا تعدّدت حالات الخروج من منظّمات دولية وإقليمية، وانسحاب الإمارات من "أوبك" تأكيدٌ لهذه الظاهرة، وتوسيعٌ لنطاقها. ومن ثمّ، هو مؤشّر قوي على "مدّ انسحابي" من المنظّمات الدولية والإقليمية، العامّة منها والمتخصّصة. أمّا انسحاب الإمارات من "أوبك"، فليس مرتبطًا بدوافع جزئية أو مواقف طارئة تنسحب بموجبها الدولة من منظّمة أو هيئة دولية. وليس بالضرورة مرتبطًا بالانسحاب الأميركي شبه الشامل من منظّمات وهيئات التنظيم الدولي قبل أشهر. فضلًا عمّا تمثّله "أوبك" من وزن اقتصادي وسياسي في المنظومة الدولية الراهنة بتركيبتها الجيواقتصادية التي تواجه اختبارات صعبة.
الأكثر أهمّية أنّ ما أقدمت عليه الإمارات خطوة منطقية تتسق مع تحرّكاتها الخارجية المستجِدّة في الأعوام القليلة الماضية، التي باتت مؤشّرًا واضحًا إلى تبنّي توجّهات وسياسات غير تقليدية في العموم. وتبحث بشكل محدّد عن مصالح وطنية/ فردية متحرّرة من أي قيود أو اعتبارات أوسع. سواء تعلّقت بتوجّهات أو مصالح جماعية إقليمية، خليجية أو عربية، أو اتفقت مع قواعد أكثر عمومية وأوسع نطاقًا على المستوى العالمي.
ورغم أنّ هذه المستجِدّات تتعارض كلّيًا مع شعارات ترفعها الإمارات عن التعايش الإنساني والمجتمع العالمي الواحد، فإنّها تُعدّ تجسيدًا لموجة الفردانية التي تجتاح العالم، وخصوصًا من الدول الغربية التي تشهد ارتدادًا حادًّا من النيوليبرالية إلى الواقعية التقليدية، يتمثّل في الاعتماد على القوة المادية أساسًا، وفي تجاهل أي قيود أخلاقية أو إنسانية. وهنا تجتمع نقاط التقاء الانسحاب الإماراتي وانسحابات واشنطن، وقبلهما "بريكست" (بريطانيا). إنّها حلقات في سلسلة متدرّجة لتفكيك النظام العالمي الحالي. مجرّد بداية تنظيمية وقانونية للتخلّص من قواعد لم تعد فاعلة ومبادئ سُلبت مضامينها عمدًا. فالنتيجة المباشرة والمنطقية لانحسار العولمة، وللكفّ عن محاولات تشكيل قيم عالمية مشتركة، وتزايد حالات التنافس العنيف على الموارد والنفوذ والهيمنة الإقليمية والعالمية، هي إطاحة الأطر القانونية والهياكل المنظّمة للعلاقات بين الدول والتواصل بين الشعوب والمجتمعات.
أي إنّ إسقاط المنظّمات الدولية عبر تجاوزها وإلغاء أدوارها نتيجة مصاحبة، وليس سببًا منشئًا لإطاحة النظام العالمي القائم. ووجه الخطورة في هذا المسار، المدمّر لأركان النظام العالمي، أنّ العالم لم يتّفق بعدُ على ملامح محدّدة لنظام جديد، بل لم ينجح في إيجاد نقاط توافق مبدئية أو خطوط عريضة يمكن تطويرها لاحقًا لتشكيل ذلك النظام المستقبلي. وبخاصّة في تنامي النزعات اليمينية المتطرّفة لدى معظم المجتمعات على اختلاف أطيافها الفكرية وانتماءاتها الدينية وخصائصها الإثنية. نتيجة هذا الفراغ الفوضى بكلّ معانيها وأشكالها، وعودة العالم إلى مرحلة بدائية لا يتخيّلها ولا يريدها أحد، حتى لدى أولئك الساعين حثيثًا، بغير دراية، إلى تسريع وتيرة التدهور والتعجيل بالانهيار الوشيك.

