أعلنت وزارة الصحة والسكان في القاهرة إصدار 1,044,845 قرار علاج على نفقة الدولة خلال الفترة من أول يناير حتى نهاية مارس 2026 بتكلفة بلغت 8,512,756,000 جنيه، وقالت الوزارة إن القرارات خدمت 922,675 مواطنا في تخصصات طبية واسعة، بينما تكشف النتيجة اعتمادا متزايدا للفقراء على باب حكومي لا يضمن وحده سرعة العلاج وجودته.
تأتي هذه الأرقام داخل سياق اجتماعي قاس دفع المرضى غير القادرين إلى انتظار قرارات علاج حكومية بدلا من تلقي خدمة صحية مباشرة، لأن ارتفاع أسعار الدواء والمستلزمات الطبية حوّل المرض إلى عبء مالي يومي، ولأن الحكومة أعلنت رقما ضخما من دون أن تثبت للمواطن أن القرار وصل إلى سرير أو دواء في الوقت المناسب.
مليون قرار لا يعني مليون خدمة مكتملة
في البداية، يضع رقم قرارات العلاج على نفقة الدولة الحكومة أمام سؤال واضح عن سبب تضخم الاحتياج خلال 3 أشهر فقط، لأن إصدار أكثر من مليون قرار لا يعبر فقط عن توسع إداري، بل يعبر أيضا عن طوابير مرضى لا يستطيعون دخول القطاع الخاص ولا يجدون تأمينا صحيا كافيا يحميهم قبل مرحلة الاستغاثة.
ثم يوضح توزيع التخصصات أن الأزمة لا تخص مرضا واحدا، فقد شملت قرارات وزارة الصحة أمراض الدم والعمود الفقري والنساء والتوليد والأنف والأذن والباطنة والجراحة والجلدية والأعصاب والعظام والعيون والمناعة والمسالك والأوعية والأورام والكبد والغدد والكلى الصناعي، وهذا الاتساع يؤكد أن الضغط وصل إلى معظم أبواب العلاج الأساسية.
وبعد ذلك، تصبح دلالة الرقم أكثر حدة عندما تعلن الوزارة أن 1,643 حالة حرجة احتاجت إلى مناظرة عن بعد لإصدار قراراتها، لأن الحالة الحرجة لا تملك رفاهية انتظار مسار ورقي أو رقمي طويل، ولأن الدولة تقيس الإنجاز بعدد القرارات بينما يقيسه المريض بموعد الجراحة ووجود الدواء.
لذلك، تبدو تصريحات الدكتورة منى مينا، وكيل نقابة الأطباء سابقا، حاضرة في هذا الملف حين أكدت أن العلاج المجاني في المستشفيات الحكومية حق للمواطن وليس عقابا للدولة، لأن هذه العبارة تنقل النقاش من منطق المنحة الحكومية إلى منطق الحق الصحي الذي يجب أن يحصل عليه المريض بلا إذلال إداري أو انتظار قاتل.
فاتورة مرتفعة لا تغلق فجوة العلاج
في المقابل، لا يكفي إعلان تكلفة 8.5 مليار جنيه خلال 3 أشهر لتأكيد كفاءة الإنفاق، لأن تكلفة القرار لا تكشف تكلفة الخدمة الفعلية ولا تكشف هل حصل المريض على علاج كامل أم حصل على موافقة محدودة ثم دفع فروقا أو واجه نقصا في الدواء أو تأخرا في المستشفى.
كما أن الدكتور خالد سمير، أستاذ جراحة القلب بجامعة عين شمس وعضو مجلس نقابة الأطباء سابقا، قال إن أحدا لا يعرف تكلفة الخدمة الطبية الحقيقية في مصر، وأوضح أن كل مستشفى يملك إمكاناته وأجهزته ومستوى الرعاية الذي يقدمه، وهذا الكلام يفضح مشكلة تسعير القرارات قبل مشكلة عددها.
وبسبب هذه الفجوة، يتحول قرار العلاج إلى ورقة ناقصة عندما لا تغطي قيمته الفعلية تكلفة العملية أو الدواء أو المستلزمات، لأن المستشفى يحتاج تمويلا واضحا والطبيب يحتاج أجرا عادلا والمريض يحتاج موعدا قريبا، بينما تكتفي الحكومة بإعلان إجمالي مالي كبير لا يشرح كفاية التمويل لكل حالة.
وفوق ذلك، تشير بيانات الموازنة إلى أن السياسة المالية لا تمنح الصحة أولوية حقيقية، فقد رصدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية استمرار تراجع نسب الإنفاق على التعليم والصحة من الناتج المحلي الإجمالي، كما ذكرت أن فوائد الديون تستحوذ على حوالي 87% من حصيلة الضرائب المتوقعة في العام المالي الجديد.
المرضى يدفعون ثمن الإدارة قبل ثمن المرض
على الأرض، لا تنتهي معاناة المريض عند صدور قرار العلاج، لأن الشكاوى المتكررة من طول الانتظار وتفاوت الخدمة بين المحافظات ونقص بعض الأدوية والأجهزة تجعل القرار بداية لمسار جديد لا نهايته، خصوصا في الأورام والقلب والعظام والغسيل الكلوي، وهي تخصصات لا تحتمل المماطلة الإدارية.
ومن هنا، يصبح حديث الدكتور علاء غنام، مدير برنامج الحق في الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، مهما عندما قال إن ضبط العلاج على نفقة الدولة يجب أن يستهدف تنظيم الخدمة وليس تقليصها، لأن تنظيم الخدمة يعني تحديد المستحقين بوضوح وتسريع التنفيذ وحماية الفقراء من دفع فروق غير معلنة.
لاحقا، حذرت المبادرة المصرية من الطريقة غير الشفافة في صنع وتطبيق السياسات العامة داخل ملف العلاج، واعتبرت أن أي اتجاه لتقليص قرارات العلاج على نفقة الدولة يمثل انتهاكا للحق في الصحة والحق في الحياة، وهذا التحذير يضع الملف في خانة الحقوق لا في خانة الدعاية الحكومية.
كذلك، تكشف أرقام الفحوصات الطبية لذوي الإعاقة وبرامج الدعم أن المجالس الطبية المتخصصة تتحمل ضغطا إداريا واسعا، فقد أعلنت الوزارة مناظرة 71,900 حالة للحصول على بطاقة الخدمات المتكاملة عبر 551 لجنة، ومناظرة 76,406 مواطنين لبرنامج تكافل وكرامة، إضافة إلى كشف 7,729 حالة لسيارات مجهزة.
وبناء على ذلك، لا تستطيع الحكومة فصل العلاج على نفقة الدولة عن أزمة الفقر وتراجع القدرة الشرائية، لأن زيادة القرارات تعني أن قطاعات أوسع من المواطنين صارت عاجزة عن العلاج خارج المنظومة العامة، كما تعني أن سياسات الأجور والأسعار والديون أنتجت طلبا صحيا أكبر من قدرة المستشفيات الحكومية على الاستيعاب.
في النهاية، تكشف أرقام وزارة الصحة عن دولة تعلن قرارات كثيرة ولا تقدم ضمانة كافية على التنفيذ السريع، وعن حكومة تستخدم رقم 8.5 مليار جنيه كواجهة إنفاق بينما يظل المريض أمام سؤال بسيط وحاد، هل يجد الدواء والسرير والطبيب في الوقت المناسب أم يحمل قرارا رسميا ينتظر دوره وسط طابور المرض والفقر.

