في عالمٍ باتت فيه الهواتف الذكية امتدادًا لأيدينا وجيوبنا وحتى غرف نومنا، تتزايد المخاوف بشأن تأثيرها على الصحة (تأثير الهواتف المحمولة على الخصوبة). وبينما نسمع كثيرًا عن أحاديث حول وقت استخدام الشاشات، واضطرابات النوم، وتأثيراتها على الصحة النفسية، إلا أن الخصوبة مجالٌ بالغ الأهمية نادرًا ما يحظى بالاهتمام الذي يستحقه.
تحذر الدراسات من تأثير الهواتف المحمولة على خصوبة الرجال والنساء، لا سيما بسبب التعرض المستمر للإشعاع الكهرومغناطيسي، والحرارة، وعادات نمط الحياة المرتبطة باستخدامها.
لا تكمن المشكلة الأساسية في الهاتف نفسه فحسب، بل في مدى قربنا منه وتكرار استخدامنا له، ووضعه عادة في جيوب البنطال، أو استخدامه لساعات طويلة على الركبة، أو النوم به قرب الوسادة، أو حمله بالقرب من البطن.
ومع مرور الوقت، قد يُسهم هذا الاستخدام المتكرر في اختلال التوازن الهرموني، وانخفاض جودة الحيوانات المنوية، وضعف وظائف المبيض، واضطرابات النوم، والإجهاد التأكسدي، وغيرها من التغيرات التناسلية التي قد تؤثر على الخصوبة، وفق موقع "هاجيد فيرتيليتي".
تُصدر الهواتف المحمولة إشعاعًا كهرومغناطيسيًا بترددات الراديو RF-EMF) بمستويات منخفضة. وعلى الرغم من أن شدة هذا الإشعاع لا تكفي لإحداث تلف مباشر في الحمض النووي كما تفعل الأشعة السينية، إلا أن الدراسات تُشير إلى أن التعرض طويل الأمد له من مسافة قريبة يُمكن أن يؤثر على وظائف خلايا الجسم. وتُعد الخلايا التناسلية، كالبويضات والحيوانات المنوية، حساسة بشكل خاص لأنها تنقسم وتنضج باستمرار، وتعتمد على إشارات هرمونية دقيقة.
وبالنسبة للرجال، فإن حمل الهاتف في جيب البنطال يعرض الخصيتين لموجات كهرومغناطيسية ترددات لاسلكية مستمرة، مما يزيد من درجة حرارة كيس الصفن، ويقلل من نشاط مضادات الأكسدة، ويؤثر على وظيفة الخصيتين.
وبالنسبة للنساء، قد يؤثر وضع الأجهزة بالقرب من البطن أو الفخذين أو منطقة الإنجاب على مخزون المبيض وجودة البويضات والتوازن الدقيق للهرمونات التناسلية. ومن المعروف أيضًا أن التعرض المتكرر للإشعاع يزيد من الإجهاد التأكسدي، الذي يلعب دورًا رئيسًا في حالات العقم مثل ضعف حركة الحيوانات المنوية، والشيخوخة المبكرة للمبيض، ومشاكل تقبل بطانة الرحم، وتحديات نمو الجنين.
وعلى الرغم من أن مستويات الإشعاع الكهرومغناطيسي الراديوي تُعتبر "آمنة" للصحة العامة، إلا أن الخلايا التناسلية حساسة للغاية ويمكن أن تتأثر بتغيرات طفيفة في بيئتها الخلوية. وهذا ما يجعل التعرض المطول والمتكرر لهذه الإشعاعات مثيرًا للقلق بشكل خاص.
تأثير الهواتف المحمولة على خصوبة الرجال
تؤكد الأبحاث أن إشعاع الهاتف المحمول له تأثير سلبي على جودة الحيوانات المنوية. تُظهر دراسات من دول متعددة، أن الرجال الذين يحتفظون بهواتفهم المحمولة في جيوب سراويلهم لفترات طويلة يميلون إلى الإصابة بما يلي:
انخفاض عدد الحيوانات المنوية
انخفاض الحركة
تشوه شكلي
زيادة تفتت الحمض النووي
زيادة الإجهاد التأكسدي
انخفاض مستويات هرمون التستوستيرون
تُعدّ الحيوانات المنوية شديدة الحساسية للحرارة، وتُنتج الهواتف المحمولة حرارةً أثناء المكالمات والشحن والتصفح. وعند وضعها بالقرب من منطقة العانة، يؤدي هذا التعرض للحرارة إلى ارتفاع درجة حرارة كيس الصفن، مما يؤثر بشكل كبير على إنتاج الحيوانات المنوية.
كما أن تفتت الحمض النووي الناتج عن التعرض للإشعاع قد يُقلل من فرص الحمل الطبيعي أو عن طريق التلقيح الصناعي/الحقن المجهري للبويضة، وقد يزيد من خطر الإجهاض المبكر. ومع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى عقم غير مُبرر لدى رجال أصحاء.
هل يؤثر استخدام الهاتف المحمول على خصوبة المرأة؟
على الرغم من أن تأثير الإشعاع الكهرومغناطيسي للهواتف المحمولة يُدرس على نطاق أوسع لدى الرجال، إلا أن الأدلة المتزايدة تُشير إلى أن هذا الإشعاع قد يؤثر على خصوبة النساء أيضًا.
تقع المبايض في عمق الحوض، لكنها ليست محمية من التعرض للإشعاع الكهرومغناطيسي، خاصةً عندما تحمل النساء هواتفهن بالقرب من البطن، أو في جيوب البنطال، أو يستخدمنها على أرجلهن لفترات طويلة.
تشير الأبحاث إلى أن التعرض المطول للمجالات الكهرومغناطيسية الراديوية قد يساهم في:
انخفاض مخزون المبيض
رداءة جودة البويضات
اضطراب في انتظام الدورة الشهرية
اختلال التوازن الهرموني
زيادة الإجهاد التأكسدي
انخفاض احتمالية الزرع
اضطراب إنتاج الميلاتونين، مما يؤثر على التبويض
تُعدّ اضطرابات النوم الناتجة عن استخدام الهاتف ليلاً أو التعرّض للضوء الأزرق مثيرة للقلق بشكل خاص، لأنها تُخلّ بتوازن الهرمونات، ولا سيما الميلاتونين، الذي يلعب دورًا حاسمًا في نمو البويضات وبقاء الأجنة في مراحلها المبكرة. بالنسبة للنساء اللواتي يخضعن لعملية التلقيح الصناعي، حتى أدنى خلل في توازن الهرمونات أو جودة البويضات قد يؤثر على نتائج العلاج.
الحرارة والإشعاع والإجهاد التأكسدي: الثلاثي الخطير
تنبع الآثار الضارة للهواتف المحمولة على الخصوبة بشكل أساسي من ثلاث آليات بيولوجية:
1. التعرض للحرارة
تولد الهواتف حرارة أثناء الاستخدام المطول، وعندما يتم تطبيق هذه الحرارة مباشرة على الأعضاء التناسلية، فإنها تؤثر على نمو الخلايا ووظائفها.
2. إشعاع ترددات الراديو والمجالات الكهرومغناطيسية
يؤدي التعرض طويل الأمد للإشعاع الكهرومغناطيسي إلى تعطيل العمليات الخلوية، وإتلاف الحمض النووي، وتغيير التوازن الهرموني.
3. الإجهاد التأكسدي
يزيد الإشعاع من إنتاج الجذور الحرة في الجسم. ويؤدي الإجهاد التأكسدي الزائد إلى مهاجمة البويضات والحيوانات المنوية، وحتى بيئة الرحم، مما يؤثر على الحمل ونمو الجنين.
يمكن أن يؤدي هذا المزيج إلى إضعاف القدرة الإنجابية تدريجياً لدى كل من الرجال والنساء، وغالبًا دون ظهور أعراض فورية، مما يجعله عاملاً صامتًا يساهم في انخفاض الخصوبة.
عادات نمط الحياة التي تزيد من آثار الهواتف المحمولة على الخصوبة
تساهم بعض العادات اليومية، دون علمنا، في تفاقم الأضرار التناسلية الناجمة عن الهواتف المحمولة. وتشمل هذه العادات ما يلي:
وضع الهواتف في جيوب البنطال أو الجينز
استخدام الهواتف على الركبة
النوم مع وضع الهاتف بالقرب من الرأس أو البطن
مكالمات فيديو طويلة على أجهزة ساخنة
تقريب الهاتف من البطن أثناء الحمل
شحن الهواتف بالقرب من السرير
الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي يؤدي إلى الإجهاد المزمن
قد تبدو هذه السلوكيات غير ضارة، ولكنها مع مرور الوقت تزيد من التعرض التراكمي للحرارة والإشعاع الكهرومغناطيسي بترددات الراديو.
كيفية الحد من تأثير الهواتف المحمولة على الخصوبة
أبقِ الهواتف بعيدة عن الأعضاء التناسلية؛ وتجنب وضعها في جيوب البنطال
استخدم سماعات الأذن أو وضع مكبر الصوت لإجراء المكالمات
قلل من وقت استخدام الشاشات قبل النوم لتحسين التوازن الهرموني
تجنبي استخدام الهواتف على حضنكِ - يخاصة أثناء فترة التبويض أو دورات التلقيح الصناعي
أبقِ هاتفك على بعد متر إلى متر واحد على الأقل أثناء النوم
قم بتشغيل "وضع الطيران" ليلاً إن أمكن
تجنبي حمل الهواتف بالقرب من البطن أثناء الحمل
اتبع روتين التخلص من السموم الرقمية لتقليل التوتر وتحسين جودة النوم
يمكن لهذه التعديلات البسيطة في نمط الحياة أن تحمي الصحة الإنجابية وتحسن فرص الحمل الطبيعي أو نجاح التلقيح الصناعي.

