أعلنت الهيئة القومية لسلامة الغذاء إدراج مصر لأول مرة ضمن قائمة الدول المصرح لها بتصدير منتجات الاستزراع السمكي إلى الاتحاد الأوروبي، بعد استيفاء الاشتراطات الفنية والرقابية، على أن يعتمد القرار خلال الربع الثالث من 2026.

 

وتضع هذه الخطوة الحكومة أمام اتهام مباشر بملاحقة الدولار عبر الغذاء، بينما يواجه المصريون أسعارا مرتفعة للأسماك واللحوم والدواجن، وتراجع قدرة الأسرة على شراء بروتين يومي آمن ومستقر.

 

تصدير الأسماك يفتح باب الدولار ويضغط على طبق المصريين

 

بدأت الحكومة تقديم القرار باعتباره إنجازا اقتصاديا، لأن الهيئة القومية لسلامة الغذاء قالت إن الإدراج الأوروبي يسمح بتصدير الأسماك ذات الزعانف ومنتجاتها والقشريات، ويعزز نفاذ المنتجات المصرية إلى أسواق الاتحاد الأوروبي، بعد تقديم أدلة فنية تثبت الالتزام بمنظومة الرقابة الأوروبية.

 

وبعد إعلان القرار، أصبح السؤال المحلي أكثر إلحاحا من الاحتفال الرسمي، لأن المنتج الذي تسعى الحكومة لفتحه أمام أوروبا هو نفسه غذاء يعتمد عليه المصريون لتعويض ارتفاع اللحوم والدواجن، بينما لا تعلن السلطة آلية تحمي السوق المحلي من نقص المعروض أو زيادة الأسعار.

 

ثم يزداد القلق بسبب أن أسعار السمك في السوق المصرية لم تعد رخيصة للمواطن محدود الدخل، فقد أظهرت أسعار منشورة في أبريل 2026 أن البلطي بدأ من 85 جنيها للكيلو، بينما تراوح الدنيس بين 350 و475 جنيها والقاروص بين 170 و270 جنيها.

 

لذلك لا يبدو فتح باب التصدير قرارا فنيا فقط، لأن الحكومة التي تبحث عن العملة الصعبة يجب أن تعلن في الوقت نفسه سقفا واضحا لحماية الاستهلاك المحلي، وإلا يصبح الدولار مقدما على حق المواطن في غذاء متاح بسعر يناسب دخله.

 

وفي هذا السياق، يحذر الخبير الزراعي نادر نور الدين من أن الأمن الغذائي المصري يتأثر بارتفاع أسعار الغذاء عالميا، وقد توقع زيادة تصل إلى 30% في أسعار الغذاء مع استمرار اضطرابات الحرب وتكاليف الطاقة وسلاسل الإمداد.

 

وبناء على هذا التحذير، تصبح سياسة تصدير الغذاء بلا حماية داخلية خطرا اجتماعيا مباشرا، لأن الدولة لا تستطيع أن تتعامل مع السمك كسلعة دولارية فقط، ثم تترك المواطن يواجه السعر المحلي الذي يتحرك مع الوقود والأعلاف والنقل والطلب الخارجي.

 

سلامة الغذاء للأوروبيين وغلاء الغذاء للمصريين

 

قدمت الهيئة القومية لسلامة الغذاء القرار بوصفه نتيجة لمنظومة رقابية متكاملة، تشمل رصد بقايا العقاقير البيطرية، واستيفاء الاشتراطات الفنية، ومراجعة المنشآت الإنتاجية، وتطبيق نظم التتبع، وتعزيز الفحوصات المعملية، وإعداد ملفات المنتجات المركبة التي تحتوي على مكونات حيوانية.

 

لكن هذا التفصيل الرقابي يفتح سؤالا قاسيا داخل مصر، لأن الحكومة التي تستطيع بناء منظومة دقيقة لإرضاء المستهلك الأوروبي يجب أن تثبت أن المستهلك المصري يحصل على الجودة نفسها والسعر العادل نفسه، لا أن يتحول السوق المحلي إلى الحلقة الأضعف.

 

كما أن الحديث الرسمي عن الثقة الدولية في منظومة سلامة الغذاء لا يمحو حقيقة أن المصريين يواجهون تضخما غذائيا مستمرا، فقد ارتفعت أسعار الطعام والشراب شهريا بنسبة 5.2% في مارس 2026، وكانت هذه الفئة محركا رئيسيا لزيادة التضخم السنوي.

 

وعندما ترتفع أسعار الطعام بهذا الشكل، لا يصبح التصدير مجرد فرصة اقتصادية، بل يصبح جزءا من معادلة ظالمة إذا لم تربطه الحكومة بتوفير بدائل داخلية أرخص، لأن الأسرة المصرية تدفع فاتورة الدولار مرة في الاستيراد ومرة في الأسعار ومرة في نقص المعروض.

 

وفي السياق نفسه، انتقد محمود العسقلاني رئيس جمعية مواطنون ضد الغلاء قفزات الأسعار غير المنطقية في سوق الدواجن، وقال إن ارتفاع السعر بنحو 30 جنيها دفعة واحدة مبالغ فيه، وهو اعتراض يكشف ضعف الرقابة على غذاء الناس.

 

وعلى هذا الأساس، لا تكفي بيانات سلامة الغذاء وحدها، لأن الغذاء الآمن يجب أن يكون متاحا أيضا، والحكومة التي تضبط ملفات التصدير للأسواق الأوروبية مطالبة قبل ذلك بضبط حلقات السوق المحلية التي تسمح بانتقال كل تكلفة إلى ظهر المواطن.

 

الحكومة تلاحق العملة الصعبة وتترك الأمن الغذائي بلا حماية

 

تضع الحكومة القرار داخل سياق فتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية وتعزيز النمو الاقتصادي، وتربط الهيئة القومية لسلامة الغذاء الخطوة بزيادة حضور مصر في الأسواق العالمية، خصوصا داخل الاتحاد الأوروبي الذي يعد من أكبر الأسواق الاستهلاكية.

 

غير أن هذا الخطاب الرسمي يخفي جزءا من الأزمة، لأن مصر تعاني ضغطا دائما على العملة الصعبة، وتدفع الحكومة نحو التصدير باعتباره مصدرا للدولار، بينما يظل المواطن داخل السوق المحلية أمام دخل ثابت وأسعار غذاء تتحرك أسرع من قدرته الشرائية.

 

كذلك تقول منظمة الأغذية والزراعة إن الاستزراع السمكي يمثل المصدر الأكبر لإمدادات الأسماك في مصر، إذ يساهم بنحو 65% من إجمالي إنتاج الأسماك، بينما يشير تقرير زراعي أمريكي إلى أن الاستزراع يمثل نحو 80% من الإنتاج السمكي المصري.

 

ولهذا السبب، يصبح تصدير منتجات الاستزراع السمكي أكثر حساسية من تصدير سلعة هامشية، لأن القطاع نفسه يمثل قاعدة رئيسية لتغذية المصريين، وأي توسع خارجي غير محسوب قد يرفع الضغط على المعروض المحلي في وقت ترتفع فيه تكاليف الأعلاف والطاقة والنقل.

 

وفي هذا الإطار، قال الخبير الاقتصادي هاني توفيق إن تراجع الدولار لم ينعكس على أسعار السلع بسبب أسباب اقتصادية وهيكلية معقدة، كما دعا في سياقات أخرى إلى معالجة الخلل الهيكلي وزيادة الإنتاج لا الاكتفاء بإجراءات تزيد الضغط على المواطنين.

 

ومن ثم يكشف قرار التصدير تناقضا حكوميا واضحا، لأن السلطة تريد شهادة أوروبية على جودة المنتج، لكنها لا تقدم شهادة اجتماعية للمصريين بأن غذاءهم لن يصبح أغلى، وأن الدولة لن تبيع أفضل ما ينتجه القطاع لمن يدفع بالدولار.

 

في المقابل، تؤكد بيانات برنامج الأغذية العالمي أن مصر تواجه مستوى متوسطا من انعدام الأمن الغذائي، وأن القدرة على تحمل تكلفة الغذاء وجودته وسلامته لا تزال تحديات قائمة بسبب الاعتماد على الأسواق العالمية في أكثر من نصف السلع الأساسية.

 

وبذلك يتحول القرار من خبر تصديري إلى اختبار سياسي، لأن الحكومة تستطيع أن تختار بين تصدير منظم يحفظ نصيب المصريين من البروتين، أو تصدير منفلت يجعل أوروبا تحصل على السمك المطابق للمعايير بينما يحصل المواطن على سعر أعلى وسوق أقل رحمة.

 

وأخيرا، لا يعارض المصريون فتح أسواق خارجية ولا تحسين جودة الإنتاج، لكنهم يرفضون أن تستخدم الحكومة الغذاء جسرا جديدا للدولار من دون حماية داخلية، لأن الأمن الغذائي يبدأ من طبق المواطن قبل أن يصبح رقما في حصيلة الصادرات.