تفتح طلبات الإحاطة داخل مجلس النواب ملفًا ثقيلاً عن مستشفيات جامعية تحولت فيها المشروعات المتأخرة وقوائم الانتظار وصعوبة الوصول للخدمة إلى دليل مباشر على فشل حكومي يطارد المرضى قبل العلاج.

 

تكشف الوقائع أن الأزمة لا تتعلق بمبنى ناقص أو جهاز متأخر فقط، بل بسياسة عامة تركت التعليم العالي يدير صحة الفقراء بمنطق التأجيل، بينما يتحمل المرضى كلفة قرارات حكومية لم تضع العلاج العادل في موعده أولوية.

 

مبان متوقفة تكشف إدارة حكومية بلا مسؤولية

 

في البداية، يضع طلب الإحاطة المقدم من النائب أشرف الشيحي بشأن مبنى كلية طب الفم والأسنان بجامعة القاهرة الحكومة أمام سؤال مباشر عن مشروع بدأ ترميمه وتجهيزه قبل 8 سنوات، ثم بقي خارج الخدمة رغم زيادة أعداد الطلاب المصريين والوافدين وحاجة الكلية إلى بنية تعليمية وعلاجية تعمل فعليا.

 

وبعد ذلك، تكشف حالة المبنى أن وزارة التعليم العالي وجامعة القاهرة تعاملتا مع مشروع تعليمي طبي كأنه ملف إداري قابل للتأجيل، بينما يدفع الطلاب والمرضى ثمن تعطيل مساحة كان يجب أن تخدم التدريب والعلاج وتخفف الضغط على وحدات الكلية القائمة منذ سنوات.

 

ومن زاوية الحق في الصحة، يؤكد الدكتور علاء غنام، مسؤول ملف الصحة سابقا في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن قوائم الانتظار لا تنفصل عن عدالة الوصول للخدمة، وهذا الطرح يضع تأخر المباني الجامعية ضمن أزمة أوسع صنعتها الدولة حين فصلت بين الإعلان عن المشروعات وتشغيلها لصالح الناس.

 

لذلك، لا تبدو مشكلة كلية طب الفم والأسنان في القاهرة مجرد تأخر فني داخل مبنى جامعي، بل تبدو نتيجة مباشرة لغياب المحاسبة على التمويل والجداول الزمنية والتنفيذ، لأن الحكومة أعلنت بداية العمل وتركت النتيجة معلقة أمام طلاب أكثر ومرضى أكثر ونظام جامعي أضعف.

 

قوائم انتظار وإجراءات مرهقة تسحب حق العلاج من المرضى

 

في السياق نفسه، يفتح طلب الإحاطة المقدم من النائب تامر عبد القادر أزمة معهد أورام القاهرة الجديدة من باب تأخير إجراءات المرضى وصعوبة تواصل البسطاء مع الإدارة، وهو باب يخص أكثر الفئات احتياجا إلى مسار واضح لا يضاعف ألم المرض بألم الوقوف أمام المكاتب.

 

ثم تأتي طلبات الإحاطة بشأن قوائم الانتظار في المستشفيات الجامعية لتوضح أن الأزمة أكبر من معهد واحد، إذ تشمل عمليات الأورام والقلب والمخ والأعصاب والعظام، وقد تجاوز الانتظار في بعض الحالات مدة العام، بما يحرم المواطن من خدمة صحية عادلة في الوقت المناسب.

 

وفي هذا الإطار، يرى الدكتور محمد حسن خليل، منسق لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، أن أزمة الصحة العامة تتفاقم عندما تتحول الخدمة إلى قدرة مالية أو قدرة على الوساطة، وهذا الرأي يفسر كيف يصبح المريض البسيط الحلقة الأضعف داخل مستشفى جامعي يفترض أن يحميه لا أن يرهقه.

 

ولهذا السبب، تتحمل الحكومة مسؤولية مباشرة عن قوائم الانتظار لأنها تركت المستشفيات الجامعية تعمل تحت ضغط تمويل ناقص وإدارة مزدحمة وتنسيق ضعيف، ثم اكتفت بإحالة الشكاوى إلى لجان، بينما يحتاج المريض إلى سرير وطبيب وموعد عملية لا إلى وعود إدارية جديدة.

 

الزقازيق وبورسعيد يفضحان سياسة الافتتاح قبل التشغيل

 

على مستوى الشرقية، تضع طلبات الإحاطة الخاصة بمعهد أورام الزقازيق ومستشفى الطوارئ التابعة لمستشفيات جامعة الزقازيق الحكومة أمام سجل طويل من التعطيل، لأن معهد الأورام بدأ العمل به منذ عام 2007، ثم توقف أكثر من مرة بسبب التمويل والقضايا المتبادلة بين الشركة المنفذة والجامعة.

 

وبالتوازي، يطالب النواب لطفي شحاتة وإيمان خضر ومحمد الصالحي بتفسير أسباب عدم فتح المعهد واستكمال الأعمال الكهروميكانيكية والتجهيزات الطبية وتشغيله، وهو تكرار برلماني يكشف أن الملف لم يعد يحتمل بيانات تطمينية، بل يحتاج إلى جدول تشغيل معلن ومحاسبة للجهات التي عطلت المشروع.

 

ومن جانب السياسات العامة، يحذر الدكتور إلهامي الميرغني، الباحث الاقتصادي المهتم بملف الصحة، من أن تسليع الخدمة الصحية وإضعاف المستشفيات العامة يدفعان المواطن إلى خيارات أعلى كلفة، وهذا التحذير يربط بين تعثر معهد أورام إقليمي وبين توجه حكومي يترك المريض يبحث عن بديل خاص.

 

وفي بورسعيد، يطرح طلب الإحاطة المقدم من النائب أحمد فرغلي سؤالا أشد وضوحا بشأن مستشفى جامعة بورسعيد التي افتتحت للمرة الثالثة دون تشغيل حقيقي، وهو سؤال يفضح سياسة حكومية تفضل صورة الافتتاح على حق المريض في خدمة قائمة ومستمرة ومجهزة بالكامل.

 

وبذلك، تجمع الملفات بين القاهرة والشرقية وبورسعيد خيطا واحدا، وهو أن الحكومة تملك قدرة على إعلان المشروعات وافتتاحها وتدوير الوعود حولها، لكنها تفشل عند لحظة التشغيل الفعلي التي ينتظرها المريض والطالب والطبيب والمواطن الذي دفع من المال العام ثمن هذه المباني.

 

وفي النهاية، لا تكفي مناقشة برلمانية جديدة لإنقاذ المستشفيات الجامعية من العجز، لأن أصل المشكلة يقف داخل الحكومة التي عطلت مباني وأجّلت تشغيل معاهد وراكمت قوائم انتظار، بينما يحتاج المواطن إلى قرار واضح يجعل العلاج حقا منفذا لا عنوانا في اجتماع ينتهي بلا حساب.