شهدت مناطق واسعة من محافظتي القاهرة والجيزة خلال الأيام الأخيرة زيادة ملحوظة في أعداد الذباب داخل الأحياء السكنية وبين المنازل وعلى مداخل العقارات وفي محيط صناديق القمامة والأسواق الشعبية، وهو مشهد أعاد إلى الواجهة سؤالًا مباشرًا عن سبب تكرار هذه الظاهرة في مدينة يفترض أن تمتلك أجهزة محلية ومرافق صحية وبرامج متابعة ميدانية قادرة على التدخل السريع.

 

لكن ما ظهر على الأرض كشف أن السكان واجهوا الانتشار وحدهم، بينما اكتفت الجهات الرسمية بتفسيرات عامة لم تبدد الضيق اليومي الذي فرضته الحشرات على الناس داخل البيوت وفي الشوارع وعلى الطعام المكشوف وفي أماكن المعيشة الضيقة، وهو ما جعل الظاهرة تتجاوز كونها مسألة موسمية عابرة إلى دليل جديد على ضعف الإدارة المحلية وتراجع كفاءة النظافة العامة وغياب الاستجابة الوقائية قبل تفاقم المشكلة.

 

جاء التفسير الرسمي على لسان الدكتور محمد علي فهيم رئيس مركز معلومات تغير المناخ بوزارة الزراعة الذي قال إن الزيادة طبيعية وترتبط بالفترات الانتقالية بين الفصول وخصوصًا مع نهاية الصيف وبداية الخريف وكذلك خلال شهري إبريل ومايو، وأوضح أن اعتدال الحرارة ليلًا وتجاوزها 15 و16 درجة مئوية يهيئ بيئة مناسبة لتكاثر الحشرات، كما أشار إلى أن انخفاض الحرارة في الأيام السابقة أبطأ التوالد قبل أن تشهد الأيام الأخيرة تسارعًا كبيرًا في دورة الحياة بما قد يؤدي أحيانًا إلى خروج جيلين بدلًا من جيل واحد، غير أن هذا التفسير المناخي لم يلغ حقيقة أكثر إحراجًا للحكومة وهي أن الانتشار داخل البيوت ارتبط أيضًا بتراكم القمامة وضعف النظافة وترك بقايا الطعام ومنافذ الدخول المفتوحة، وهي عوامل يومية لا علاقة لها بالمناخ وحده بل بإدارة خدمية متراجعة.

 

الاضطراب المناخي يسرع التكاثر والحكومة تكتفي بالتفسير

 

وفي هذا السياق قال الدكتور محمد علي فهيم رئيس مركز معلومات تغير المناخ بوزارة الزراعة إن زيادة الذباب ترتبط بالفترات الانتقالية بين الفصول وإن اعتدال الحرارة خلال الليل فوق مستوى 15 و16 درجة مئوية يخلق بيئة مناسبة لتسارع دورة الحياة وهو ما يفسر ارتفاع الأعداد خلال إبريل ومايو هذا العام.

 

كما أوضح فهيم أن انخفاض درجات الحرارة في الأيام الماضية أبطأ التوالد ثم أدى تحسن الطقس في الأيام الأخيرة إلى تسارع جديد قد ينتج عنه خروج جيلين في التوقيت نفسه بدلًا من جيل واحد وهو تفسير يربط الزيادة الحالية بتقلبات جوية متلاحقة أكثر من ربطها بحادث طارئ منفصل.

 

ثم يكشف هذا التفسير نفسه خللًا سياسيًا وخدميًا لأن الحكومة التي تعرف أثر التحولات المناخية على الحشرات منذ سنوات لم تطور خطة استباقية واضحة للمكافحة في المناطق السكنية ولم تعلن برنامجًا موسميًا ملزمًا للأحياء قبل شهري إبريل ومايو رغم تكرار نفس الشكوى سنويًا في القاهرة والجيزة.

 

القمامة المكشوفة ومنافذ البيوت المفتوحة تنقل الأزمة إلى الداخل

 

وفي المستوى الميداني ارتبط انتشار الذباب داخل المنازل بعدة عوامل يومية واضحة تبدأ بترك بقايا الطعام بلا تغطية ولا تنتهي عند التأخر في التخلص من القمامة وتنظيف السلال وهو ما وفر بيئة جاذبة للحشرات داخل الكتل السكنية المكتظة بدلًا من حصرها في الخارج فقط.

 

كما يعزز هذا المسار رأي الدكتور علي أحمد يونس رئيس قسم علم الحشرات بكلية العلوم جامعة القاهرة الذي يوضح موقعه الأكاديمي أن التعامل مع الحشرات لا يبدأ بعد انفجار أعدادها بل قبل موسم النشاط عبر خفض مصادر الجذب والبيئات الرطبة والمخلفات العضوية القريبة من السكان.

 

ثم يتسع الخلل عندما تترك الوحدات المحلية الشوارع الجانبية ومحيط الأسواق ومناطق التجمعات السكنية من دون رفع منتظم للمخلفات لأن الذباب لا يدخل البيوت من فراغ بل يدخل عبر نوافذ وأبواب وشقوق مفتوحة بعد أن يجد حولها قمامة مكشوفة وروائح جاذبة ومشهدًا حضريًا يسمح بالتكاثر اليومي.

 

وسائل الوقاية المنزلية تكشف فراغ الدور الرسمي في المكافحة

 

وفي المقابل قدم الخبراء إجراءات مباشرة للحد من انتشار الذباب داخل البيوت تشمل التخلص اليومي من القمامة وتنظيف السلال وتغطية الطعام وتنظيف الأسطح بعد الطهي وتركيب سلك شبكي على النوافذ والأبواب واستخدام الليمون مع القرنفل والنعناع والريحان والخل المخفف في أماكن وجود الحشرات.

 

كما ينسجم هذا الطرح مع التخصص العلمي للدكتور محمد جمال الدين ناصر أستاذ مساعد الحشرات الطبية بجامعة عين شمس الذي يرتبط عمله الأكاديمي بملف الحشرات الطبية وطرق التعامل معها داخل البيئات البشرية حيث يوضح هذا التخصص أن الوقاية المنزلية جزء أساسي من خفض معدلات الانتشار داخل الأماكن المغلقة.

 

ثم يفضح الاعتماد على هذه الوسائل وحدها حجم الفراغ الرسمي لأن لجوء السكان إلى حلول منزلية بسيطة لا يعني كفايتها بقدر ما يعني أن أجهزة المحليات والصحة والبيئة تركت الناس يواجهون المشكلة بأنفسهم في وقت كان يفترض فيه تنفيذ حملات رش ومتابعة ورفع مخلفات بصورة منتظمة.

 

شعور المواطنين بتفاقم الأزمة يرتبط بتكرارها وبضعف الخدمة

 

وفي تفسير شعور السكان بأن الذباب هذا العام أكثر من كل عام قال فهيم إن قلة ظهوره في الشتاء ثم ظهوره دفعة واحدة في الفترة الانتقالية بين الربيع والصيف تدفع المواطنين إلى الإحساس بأن النسبة أعلى من المعتاد رغم أن البرودة الشديدة والحرارة القاسية تقللان أصلًا من أعداد هذه الحشرات.

 

كما يظل هذا الشعور مبررًا على المستوى الخدمي لأن المواطن لا يقيس الظاهرة بلغة المختبرات وإنما يقيسها بمدى قدرته على فتح نافذة أو حفظ طعام أو الجلوس في منزله دون إزعاج متكرر ولذلك يصبح ضعف النظافة وغياب التدخل السريع جزءًا مباشرًا من الإحساس العام بتفاقم الأزمة.

 

ثم تتحمل الحكومة مسؤولية هذا الإحساس المتصاعد لأنها لم تقدم بيانات تفصيلية عن حملات المكافحة في القاهرة والجيزة ولم تعلن جدولًا واضحًا للتحرك الميداني ولم تربط بين التحذير المناخي والإجراء التنفيذي وبذلك تركت التفسير العلمي معلقًا من دون ترجمة عملية تحمي الناس من تكرار المشكلة داخل مساكنهم.

 

وفي الخلاصة تكشف زيادة الذباب في القاهرة والجيزة أن الاضطراب المناخي سرع التكاثر فعلًا لكن الإهمال الخدمي هو الذي سمح بتحول الظاهرة إلى أزمة يومية داخل البيوت لأن تراكم القمامة وضعف المتابعة وغياب المكافحة الاستباقية هي العوامل التي منحت الحشرات المجال الأوسع للانتشار وجعلت المواطن يدفع وحده ثمن عجز حكومي متكرر عن إدارة أبسط ملفات الصحة البيئية في المدن الكبرى.