دفعت موجة الغلاء التي ضربت السوق المصرية خلال الأشهر الأخيرة ملف الدواء إلى واجهة الغضب الاجتماعي من جديد، بعدما كشفت معلومات منشورة عن تلقي هيئة الدواء المصرية أكثر من 170 طلبًا من شركات الأدوية لتحريك الأسعار، في وقت تقول فيه الحكومة إنها تحمي المريض بينما تواصل تحميله كلفة أزماتها النقدية والإدارية. ويكشف هذا التطور أن الدولة التي رفعت أسعار خدمات وسلع أساسية واحدة بعد أخرى وصلت الآن إلى أكثر القطاعات حساسية، لأن الدواء لا يحتمل التأجيل ولا يسمح للمريض بمناورة الاستهلاك أو تقليل الطلب. وتؤكد البيانات المنشورة أن الهيئة درست حتى الآن ما يقرب من 150 طلبًا، بينما يخضع باقي الطلبات لفحص اللجان المختصة تمهيدًا لعرضها على لجنة التسعير، في مسار يستغرق نحو 30 يومًا. ويعني هذا المسار أن باب الزيادة فُتح فعليًا داخل المؤسسات الرسمية، حتى لو لم يصدر القرار النهائي بعد.
تكشف الوقائع المنشورة أيضًا أن الأزمة لا تقف عند حدود طلبات تحريك الأسعار، لأن هيئة الشراء الموحد ألزمت شركات الإنتاج والتوزيع بإعداد ما سمته قائمة قصيرة للأدوية المستوردة تامة الصنع ولمستلزمات الإنتاج التي يعاد تعبئتها محليًا، مع تعليق النظر في إجراءات الاستيراد وطلبات تدبير النقد الأجنبي إلى حين الالتزام بهذه القوائم خلال الشهر الجاري. ويضع هذا القرار الشركات أمام قيد إضافي في سوق يعتمد بصورة شبه كاملة على الخارج في المواد الخام الفعالة، بينما يدفع المرضى الثمن مرتين، مرة عبر نقص الأصناف ومرة عبر احتمالات الزيادة الجديدة. ويكشف التزامن بين فتح ملف التسعير وتشديد قيود الاستيراد أن الحكومة لا تعالج أصل الاختلال، بل تدير الأزمة بالأوامر واللجان والمهل الإدارية في وقت يزداد فيه العبء على المرضى والمصانع والصيدليات معًا.
طلبات التحريك تفتح باب زيادة جديدة في أسعار الأدوية
أظهرت المعلومات المنشورة في 20 أبريل 2026 أن هيئة الدواء تلقت أكثر من 170 طلبًا من شركات الأدوية لتحريك الأسعار، وأن اللجان المختصة انتهت من دراسة ما يقرب من 150 طلبًا، بينما يستمر فحص بقية الملفات قبل عرضها على لجنة التسعير خلال مدة تصل إلى 30 يومًا. ويؤكد هذا التسلسل أن المسألة تجاوزت مرحلة التسريبات إلى مسار إداري جار بالفعل.
ثم يكشف هذا التطور تناقضًا واضحًا داخل الخطاب الرسمي، لأن رئيس هيئة الدواء علي الغمراوي قال في 12 مارس 2026 إن الهيئة لا تدرس تحريك أسعار الأدوية في ذلك الوقت، قبل أن تظهر بعد أسابيع طلبات واسعة لإعادة التسعير. ويعني هذا التبدل السريع أن الحكومة أخفت الضغوط الفعلية ثم عادت لتقر بها تحت ضغط السوق والشركات.
كما يدعم الدكتور علي عوف رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية هذا المسار عندما ربط استقرار الأسعار سابقًا ببقاء سعر الدولار دون مستوى 55 جنيهًا، وحذر في مارس 2026 من تأثر السوق بالحرب والاضطرابات. ويكشف كلام عوف أن الصناعة نفسها كانت تنتظر متغيرًا نقديًا أو تجاريًا لتعيد فتح ملف الزيادة، وهو ما حدث الآن بصورة مباشرة.
القائمة القصيرة للاستيراد تكشف ضيق النقد وتضغط على الصناعة
في السياق نفسه فرضت هيئة الشراء الموحد على الشركات إعداد قائمة قصيرة للأدوية المستوردة تامة الصنع ولمستلزمات الإنتاج التي يعاد تعبئتها محليًا، واشترطت الالتزام بهذه القوائم قبل استكمال إجراءات الاستيراد أو طلب تدبير النقد الأجنبي. ويكشف هذا القرار أن أزمة العملة لم تعد ملفًا ماليًا منفصلًا، بل صارت تدخل مباشرة في تحديد ما يُستورد وما يُؤجل.
وبعد ذلك يصبح أثر القرار أشد خطورة حين يقترن بحقيقة أن السوق المصرية تستورد نحو 90% من المواد الخام الفعالة من الخارج، بحسب ما نشره العربي الجديد قبل يومين. ويعني هذا الاعتماد الكبير أن أي قيد جديد على الاستيراد أو التمويل لا يضغط فقط على الشركات، بل يهدد دورة الإنتاج نفسها ويزيد احتمالات نقص الأصناف الحيوية.
كذلك يوضح محمود فؤاد رئيس المركز المصري للحق في الدواء أن ضغوط الشركات لرفع الأسعار تتزايد بالفعل، وأن آليات التسعير في مصر غير عادلة ولا تقوم على أسس علمية أو صناعية أو تجارية منضبطة. ويكشف هذا الموقف أن المريض يجد نفسه بين إدارة حكومية مرتبكة وشركات تضغط باستمرار، من دون حماية فعلية تكبح النقص أو تمنع الغلاء.
الحكومة توسع الغلاء وتترك المريض في مواجهة السوق
يأتي ملف الدواء داخل سياق أوسع من قرارات تحميل المجتمع كلفة الأزمة الاقتصادية، لأن الحكومة رفعت أسعار الوقود في مارس 2026 ثم رفعت أسعار الكهرباء في أبريل 2026، بينما استمرت آثار التضخم والديون على كلفة النقل والطاقة والإنتاج. ويجعل هذا السياق أي زيادة دوائية جديدة جزءًا من موجة جباية ممتدة لا حادثًا منفصلًا داخل السوق الصحية.
ثم تؤكد الأرقام الرسمية التي نقلها العربي الجديد في يناير 2026 أن أسعار الأدوية في مصر ارتفعت بنسبة 42% خلال 2025 من حيث القيمة المالية، وفق تصريحات رئيس هيئة الدواء عن تداول 4 مليارات عبوة بقيمة 438 مليار جنيه مقابل 309 مليارات جنيه في 2024. وتكشف هذه القفزة أن المواطن دفع بالفعل زيادة كبيرة قبل موجة الطلبات الجديدة الجارية الآن.
كما يقول الدكتور أشرف حاتم رئيس لجنة الصحة بمجلس النواب إن الدواء في مصر يخضع للتسعير الجبري وإن هيئة الدواء مسؤولة عن فحص التكلفة وتحديد السعر العادل. لكن هذا الكلام الرسمي يفقد وزنه عندما تتوالى طلبات الزيادة ويستمر النقص وتتكرر الشكاوى، لأن النتيجة التي يراها المريض في الصيدلية لا تعكس عدالة معلنة بل تعكس عجزًا متراكمًا في الإدارة والرقابة.
وفي المحصلة تكشف الوقائع المنشورة خلال أبريل 2026 أن الدولة لم تمنع انفجار أزمة الدواء بل أدارتها بالطريقة نفسها التي أدارت بها أزمات الوقود والكهرباء والخبز، أي عبر تأجيل الاعتراف ثم فتح باب الزيادة ثم فرض قيود إدارية على السوق. ويعني هذا المسار أن المريض المصري يواجه سلطة توسع الغلاء وشركات تضغط على التسعير وسوقًا مهددة بالنقص، بينما يغيب أي ضمان حقيقي يضع حق العلاج فوق حسابات الدولار واللجان والجباية.

