بدأت لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب، يوم الإثنين العشرين من أبريل، مناقشة طلبات إحاطة جديدة بشأن طريق بورسعيد دمياط، بعد تكرار الشكاوى من مخاطره وتأثيره على سلامة المواطنين وحركة التجارة. وجاء ذلك بينما أدرجت اللجنة أيضًا ملف السلامة المهنية في شركة بورسعيد لتداول الحاويات، في مشهد يكشف أن البرلمان يتحرك متأخرًا، بعد أن تحولت الأزمات إلى وقائع يومية لا يمكن سترها.
طريق بورسعيد دمياط.. ملف يعود لأن الحكومة لم تُنهه
أوضح إدراج الطريق على جدول اللجنة أن الأزمة لم تعد محل خلاف أو مبالغة، بل صارت ملفًا معلنًا تحت قبة البرلمان نفسها. فالطلب المقدم من النائب عادل اللمعي لم يتحدث عن تطوير تجميلي أو تحسينات شكلية، بل عن تكرار مشكلات مباشرة تمس أرواح الناس وتعطل المصالح، وهو ما يعني أن السلطة التنفيذية تركت الطريق يتدهور حتى فرض نفسه من جديد على النواب.
ولفتت مناقشات اللجنة إلى أن النائب حسن عمار لم يكتف بطرح أزمة الطريق في اتجاه بورسعيد دمياط، بل ضم إليها طريق بورسعيد الإسماعيلية أيضًا، بما يؤكد أن المشكلة أوسع من نقطة معزولة أو حادث منفرد. فحين تتكرر المطالب على أكثر من محور حيوي، يصبح الحديث عن خلل في الإدارة والصيانة والرقابة أقرب إلى الحقيقة من أي رواية رسمية تتحدث عن متابعة مستمرة وتحسن متدرج.
وفي ظل هذا التراكم، تبدو عودة الملف إلى البرلمان إقرارًا ضمنيًا بأن الحلول السابقة لم تنجح، أو أن بعضها لم يُنفذ أصلًا بالقدر الكافي. فالطرق التي تخدم الموانئ وحركة الشاحنات لا تحتمل سياسة الترقيع ولا قرارات رد الفعل. وكل تأخير في رفع الكفاءة أو تأمين المسارات يعني مزيدًا من الضغط على المواطنين والسائقين، ومزيدًا من الخسائر التي لا تظهر كلها في البيانات الرسمية.
ويبين الدكتور حسن مهدي، عميد المعهد القومي للنقل وأستاذ هندسة الطرق بجامعة عين شمس، أن الطرق ذات الكثافة المرتفعة تحتاج إلى إدارة صارمة للحركة، وصيانة منتظمة، وفصل واضح بين الأنماط المرورية الثقيلة والخفيفة. وتكتسب هذه الرؤية أهميتها لأن الطريق لا يخدم انتقال الأفراد فقط، بل يرتبط بمسار تجاري حساس، ما يجعل أي قصور هندسي أو تنظيمي سببًا مباشرًا في تعريض الناس والبضائع معًا للخطر.
السلامة المهنية في الميناء.. العمال في آخر الحسابات
أكد انتقال المناقشة إلى ملف السلامة المهنية داخل شركة بورسعيد لتداول الحاويات والبضائع أن الخلل ليس محصورًا في الطريق وحده، بل يمتد إلى بيئة العمل نفسها. فمجرد طرح هذا الملف داخل لجنة النقل يعني أن هناك أسئلة جدية حول إجراءات الحماية داخل منشأة يفترض أنها من أهم نقاط التشغيل البحري. وهنا يظهر التناقض واضحًا بين خطاب الإنجاز الرسمي، وواقع يحتاج فيه العامل إلى من يطالب بحقه في شروط أمان أساسية.
وفي موازاة ذلك، تكشف البيانات الرسمية عن أهمية ميناء بورسعيد ومحطاته في حركة الحاويات والتجارة، وهو ما يجعل أي تقصير في السلامة المهنية أكثر خطورة وأوسع أثرًا. فالدولة تحب أن تتحدث عن الطاقة التشغيلية وأرقام التداول وقدرة الموانئ على المنافسة، لكنها لا تُظهر الحماس نفسه حين يتعلق الأمر بحياة العامل الذي يحمل هذه المنظومة على كتفيه كل يوم داخل ساحات التشغيل والمناولة.
ويرى الدكتور عمرو السمدوني، سكرتير عام شعبة النقل الدولي واللوجستيات بغرفة القاهرة التجارية، أن كفاءة الموانئ لا تُقاس بحجم المعدات والأرصفة فقط، بل بسلامة منظومة التشغيل كلها، من العامل حتى الشاحنة وحتى مسار النقل الواصل إلى الميناء. ومن هذا المنظور، لا تبدو السلامة المهنية ملفًا جانبيًا أو نقابيًا ضيقًا، بل شرطًا اقتصاديًا مباشرًا، لأن أي خلل فيها يضرب الكفاءة ويرفع التكلفة ويهدد انتظام الخدمة.
قانون حماية المنافسة.. سرعة تشريعية تقابلها بطء في حماية الناس
أشار جدول أعمال الجلسات العامة إلى أن مجلس النواب سيواصل اجتماعاته يوم الثلاثاء لمناقشة مشروع قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، مع طرحه باعتباره إطارًا تشريعيًا متكاملًا يدعم كفاءة الأسواق والثقة الاستثمارية. لكن المفارقة السياسية لا تخطئها العين، فالمجلس نفسه يناقش في اليوم السابق طريقًا تتكرر أزماته وسلامة مهنية تحتاج مراجعة، ثم ينتقل سريعًا إلى قانون اقتصادي كبير بلغة رسمية واثقة.
وفي ظل هذا الترتيب، تبدو أولويات السلطة شديدة الدلالة، إذ تُمنح التشريعات المرتبطة بالسوق مساحة حاسمة وسرعة واضحة، بينما تأتي الملفات المرتبطة بحياة المواطنين بعد استفحال الضرر. والحكومة تقول إن مشروع القانون يعزز صلاحيات جهاز حماية المنافسة، ويوفر أدوات إنفاذ أكثر فاعلية، وينظم الإخطار المسبق بالتراكز الاقتصادية، غير أن المواطن العادي يرى تناقضًا فادحًا بين صرامة الدولة في السوق، وتراخيها في الطريق وموقع العمل.
ويؤكد الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، أن أي قانون للمنافسة لن يكتسب قيمته من عناوينه وحدها، بل من قدرته الفعلية على كبح الامتيازات غير المبررة وفتح المجال أمام سوق عادل. غير أن هذا المعنى نفسه يفضح المأزق القائم، لأن الدولة التي تتحدث عن الحياد التنافسي مطالبة أولًا بأن تثبت حيادها تجاه أرواح المواطنين، وألا تترك طريقًا خطيرًا أو بيئة عمل مقلقة حتى تتدخل بعد تراكم الضحايا والضغوط.
وأثبتت مناقشات هذا الأسبوع أن البرلمان لا يتحرك من موقع المبادرة بقدر ما يتحرك من موقع اللحاق بالأزمة. فالطريق لم يصبح خطرًا اليوم، وسلامة العمال لم تتحول فجأة إلى سؤال، والاحتياج إلى تشريع منظم للمنافسة ليس وليد هذه الجلسات. لكن ما جرى يكشف مرة أخرى طريقة حكم تؤجل أصل المشكلة، ثم تعود لمناقشتها بعد أن تكون كلفتها السياسية والإنسانية قد ارتفعت، وكأن الإدارة لا ترى الخطر إلا حين يتحول إلى عنوان.
وأخيرا اختتم المشهد رسالته القاسية من دون مواربة، فلا معنى لحديث رسمي عن كفاءة الأسواق إذا كانت الطرق الحيوية تظل مصدر تهديد، ولا قيمة لخطاب التنمية إذا بقي العامل أقل حماية من البضاعة التي ينقلها. وما بين طريق بورسعيد دمياط، وساحات الميناء، وقاعة المجلس، تتكرر الحقيقة نفسها، سلطة تتقن الكلام بعد وقوع الضرر، لكنها لا تملك الجدية نفسها حين يكون المطلوب هو المنع والمحاسبة قبل الكارثة.

