سلّطت صحف أمريكية وبريطانية الضوء على طبيعة الصراع المتشابك بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها، حيث لم يعد المشهد عسكريًا تقليديًا فقط، بل أصبح مزيجًا من التكنولوجيا المتقدمة، وحروب العصابات، والتأثير الإعلامي الرقمي.
وبحسب تقارير نشرتها نيوزويك ونيويورك تايمز، فإن الصين تلعب دورًا استراتيجيًا غير مباشر في هذا الصراع، مستفيدة من تعقيدات المشهد لتحقيق مكاسب جيوسياسية واقتصادية، دون الانخراط العسكري المباشر.
ويُعزى هذا الدور إلى سعي بكين لتعزيز نفوذها العالمي، واستنزاف خصومها، إلى جانب كسر الهيمنة الغربية على بيانات الفضاء والمعلومات الجغرافية.
الصين والفضاء.. دعم من خلف الستار
كشف تقرير لمجلة نيوزويك أن شركة نرويجية مرتبطة بمقاول دفاعي في حلف الناتو تمتلك ترخيصًا لتشغيل 42 قمرًا صناعيًا صينيًا، ما يفتح الباب أمام استخدام هذه البيانات في الصراعات.
وأشار التقرير إلى أن شركة "تشانغ غوانغ" الصينية دعمت الحوثيين في اليمن بمعلومات ساعدت في استهداف مصالح أمريكية في البحر الأحمر، ما يعكس تحوّل الفضاء إلى ساحة صراع غير مباشرة.
وفي السياق ذاته، أشار النائب الأمريكي جون مولينار إلى احتمال وصول إيران إلى معلومات حساسة عن القوات الأمريكية عبر كيانات صينية، مستفيدة من صور أقمار صناعية حصلت عليها شركات غربية، وهو ما ساهم في تنفيذ ضربات دقيقة لاحقًا، وأثار تساؤلات حول فعالية الرقابة على تقنيات الاستشعار عن بعد.
فجوة التكلفة.. سلاح رخيص يُرهق القوى الكبرى
أبرزت نيويورك تايمز جانبًا بالغ الأهمية في هذا الصراع، يتمثل في التفاوت الكبير في التكلفة بين الهجوم والدفاع.
فالمسيّرة الإيرانية الواحدة لا تتجاوز كلفتها 35 ألف دولار، في حين تضطر الولايات المتحدة لاستخدام صواريخ اعتراضية بملايين الدولارات لإسقاطها.
ووفق تقديرات معهد المشاريع الأمريكي، أنفقت واشنطن ما بين 25 و35 مليار دولار خلال أسابيع قليلة لمواجهة هذه التهديدات، وسط مخاوف من استنزاف مخزونها العسكري.
وأوضح خبراء أن هذا النوع من الهجمات منخفضة التكلفة لم يكن ضمن الحسابات عند تطوير أنظمة الدفاع الأمريكية، التي صُممت لمواجهة صواريخ عالية التقنية، وليس أسرابًا من المسيّرات الانتحارية مثل "شاهد 136"، التي يصل مداها إلى نحو 2400 كيلومتر، ما يجعل معظم أهداف الشرق الأوسط ضمن نطاقها.
الصين بين الحياد والتأثير
من جانبها، أشارت واشنطن بوست إلى أن الصين تحاول الحفاظ على موقع "صانع السلام" دون التورط المباشر، لتجنب صدام مع الولايات المتحدة.
ويرى محللون أن بكين لا تسعى لقيادة الشرق الأوسط بقدر ما تحاول تجنب الوقوع في تعقيداته، مستفيدة من تجارب واشنطن السابقة.
وفي المقابل، أعربت الصين عن قلقها من تأثير الحرب على إمدادات الطاقة، خاصة أنها أكبر مستورد للنفط الإيراني، كما حذرت من أي تصعيد في مضيق هرمز قد يهدد استقرار الأسواق العالمية.
العقل العسكري الإيراني.. تعلم وتكيّف مستمر
كشفت تقارير فايننشال تايمز عن أن إيران قامت بدراسة عميقة لتجارب الحرب في أوكرانيا، حيث راجعت مئات الدراسات العسكرية لتطوير استراتيجياتها.
ويركز الجيش الإيراني على إنتاج أسلحة منخفضة التكلفة، واستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد، إلى جانب دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي والنانو في تطوير قدراته العسكرية.
كما أظهرت هذه الدراسات اهتمامًا متزايدًا بالتخطيط الاستباقي، وتطوير أسلحة جديدة مثل الليزر والمنصات الفضائية، في محاولة لسد الثغرات الدفاعية.
الذكاء الاصطناعي.. جبهة الحرب الجديدة
على الصعيد الداخلي، رصدت تايمز البريطانية تصاعد استخدام الذكاء الاصطناعي في الدعاية داخل إيران، من خلال حملات إعلامية وصور ضخمة تعكس صورة "النصر".
ويقود هذه الجهود الحرس الثوري عبر استثمارات واسعة في الإعلام والسينما والتقنيات الحديثة، بهدف التأثير على الرأي العام وتعويض التحديات السياسية، مع استقطاب الكفاءات الشابة للعمل في هذه الجبهة الرقمية الجديدة.
خلاصة المشهد
تكشف هذه الحرب عن تحول عميق في طبيعة الصراعات الحديثة، حيث لم تعد القوة تُقاس فقط بحجم الترسانة، بل بقدرة الابتكار واستغلال الفجوات.
ففي عالم تُربك فيه طائرات رخيصة أنظمة دفاع بمليارات الدولارات، يبدو أن ميزان القوة يعاد تشكيله… ليس في السماء فقط، بل في العقول أيضًا.

