عاد ملف مبادرة “حياة كريمة” إلى واجهة المشهد في مصر بعد اجتماع للسيسي عُقد في 18 أبريل لمتابعة مشروعات الإسكان والمرافق، لكن أهمية الاجتماع لم تكن في بنوده المعلنة وحدها، بل في توقيته السياسي بعد موجة ارتباك ضربت إعلام السلطة نفسه.

 

فالهجوم الذي قاده أحمد موسى، ومعه أصوات محسوبة على المنظومة ذاتها، لم يكن اعتراضًا إعلاميًا عابرًا على تفصيل إداري أو على نقاش محدود بشأن التعاون مع مفوضية اللاجئين، بل بدا كاشفًا لحجم التناقض داخل النظام نفسه، لأن الإعلاميين الذين أمضوا سنوات في تبرير كل ما يصدر عن السلطة هاجموا فجأة مسارًا مرتبطًا بإحدى أبرز مبادراتها الدعائية. ثم جاء البيان الرسمي من المؤسسة ليؤكد أن التبرعات لا تُوجَّه إلا للمصريين، ويعيد ضبط الخطاب بعد أن خرجت الأبواق عن الدور المرسوم لها، فظهر المشهد كله بوصفه أزمة داخلية في ماكينة الحكم لا نقاشًا عامًا حرًا.

 

كشف هذا التحول وظيفة هؤلاء الإعلاميين بصورة مباشرة، لأنهم لم يتحركوا وفق معلومات مستقرة أو قواعد مهنية واضحة، بل تحركوا وفق الحاجة إلى شحن الرأي العام ثم تهدئته. وخلال تلك الأزمة، صار واضحًا أن شعار “الأولوية للمصريين” لم يُرفَع باعتباره مبدأ ثابتًا، بل باعتباره أداة تعبئة تُستخدم عند اللزوم ثم تُسحب عند صدور إشارة معاكسة من دوائر القرار. كما أن الفاصل الطويل الذي قطع حلقة أحمد موسى، ثم حذف المقطع المثار من التداول، قدما دليلًا أوضح من أي تصريح على أن الرجل لم يكن يعبر عن موقف مستقل، بل تجاوز حدًا غير مسموح به ثم جرى كبحه سريعًا. وهنا لم تنكشف المبادرة فقط، بل انكشف معها إعلام وظيفي يصرخ بأمر، ثم يبتلع كلامه بأمر آخر.

 

أزمة المبادرة كشفت حدود الإعلام الوظيفي

 

بدأت الأزمة عندما تحولت مناقشات أولية بين مؤسسة “حياة كريمة” ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى مادة تحريض على شاشات الموالاة. عند هذه النقطة، لم يعد الجدل متعلقًا بالتعاون نفسه، بل بالكيفية التي انفجرت بها الرسائل المتعارضة من داخل المعسكر الواحد، قبل أن تتدخل المؤسسة لإعادة الانضباط إلى الخطاب.

 

ثم كشف بيان المؤسسة أن أموال التبرعات لا تُستخدم إلا داخل مصر ولخدمة المواطنين المصريين فقط، وأن أي تعاون مع جهات دولية يبقى في حدود الدعم الفني أو التنسيقي. هذه الصياغة لم تُغلق الجدل بقدر ما أكدت أن الأزمة كانت في انفلات الرسالة الإعلامية قبل أن تكون في طبيعة التمويل.

 

وبعد ذلك، بدا تصرف أحمد موسى أكثر دلالة من عباراته، لأن الفاصل الإعلاني الطويل ثم حذف المحتوى أوضحا أن المسألة لم تكن دفاعًا مهنيًا عن أولوية اجتماعية، بل انفعالًا إعلاميًا جرى لجمُه فورًا عندما اقترب من ملف تريد السلطة الاحتفاظ به كواجهة اجتماعية وسياسية في وقت واحد.

 

وفي هذا السياق، قال نور خليل مدير “منصة اللاجئين في مصر” إن ما جرى لم يتجاوز مناقشات تمهيدية لم تصل إلى التنفيذ، وإن تضخيم القضية إعلاميًا فاق حقيقتها. أهمية هذا التقدير أنه يثبت أن ماكينة التهييج سبقت الوقائع، ثم أحرجت النظام قبل أن يضطر إلى احتواء الارتباك بنفسه.

 

كما أن تاريخ يوسف الحسيني في التحريض على اللاجئين، كما وثقته مادة سابقة في “العربي الجديد” وتناولته تغطيات أقدم في “نافذة مصر”، يجعل ظهوره في هذا المسار امتدادًا لوظيفة قديمة تقوم على صناعة خصم جاهز كلما احتاجت السلطة إلى تحويل الغضب بعيدًا عن أصل الأزمة.

 

عمرو أديب يواصل حملة التهيئة للأعباء لا تفسير الأزمة

 

انتقل الارتباك بعد ذلك من ملف “حياة كريمة” إلى ملف الحرب والاقتصاد، حين قدم عمرو أديب خطابًا يهيئ الناس لتلقي مزيد من الأعباء حتى مع تراجع احتمالات التصعيد. وبحسب تغطية “نافذة مصر”، نفى أديب أن تكون مصر تستعد للحرب، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن البلاد مستعدة إذا فُرض عليها القتال.

 

هذا الخطاب لم يعالج الوقائع الاقتصادية، بل استخدم التوتر الإقليمي لتثبيت فكرة واحدة هي أن الضغوط ستستمر على المواطن في كل الأحوال. وهنا لم يعد الإعلام يشرح سياسة عامة أو يراجع أرقامًا، بل صار يجهز الجمهور لتقبل مزيد من الزيادات والأسعار المرتفعة، حتى عندما تتراجع الذريعة الطارئة نفسها.

 

وقبل ذلك بأيام، كرر أديب في سياق متصل أن الأزمة الاقتصادية لن تتوقف بمجرد نهاية الحرب في المنطقة، وهو خطاب ينسجم مع وظيفة إعلامية أوسع تقوم على تطبيع المشقة الدائمة، لا على مساءلة السياسات التي صنعتها. وبذلك يتكامل دور أديب مع دور أحمد موسى، رغم اختلاف الأسلوب بينهما.

 

وفي هذا الإطار، قال الخبير العسكري محمد رفعت جاد، في تصريحات نقلتها التغطية نفسها، إن مصر تعزز أمن حدودها وفق احتياجات الأمن القومي والتهديدات القائمة. غير أن الإعلام الموالي استخدم هذا التوصيف الأمني لتمديد مناخ القلق داخليًا، بدل الفصل بين الاستعداد العسكري الطبيعي وبين الترويج لحالة تعبئة نفسية مفتوحة.

 

ثم بدا الهاشتاج الذي روّج لعبارة “مصر تستعد للحرب” جزءًا من هذا المناخ نفسه، لأن النقاش لم يتركز على ما إذا كانت الحكومة تملك خطة اقتصادية واضحة، بل على كيفية دفع الناس إلى قبول مزيد من الضغوط تحت عنوان الاستعداد لكل الاحتمالات، حتى بعد تراجع حدة الاشتباك المباشر في الخليج ولبنان.

 

صندوق النقد يفضح الرواية الرسمية لا يبرئها

 

زاد المشهد انكشافًا عندما خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد المصري إلى 4.2% في 2026، مع توقع ارتفاعه إلى 4.8% في 2027، على فرض بقاء الصراع محدود المدة والنطاق. هذه الأرقام لا تدعم رواية التهوين الإعلامي، بل تؤكد أن الاقتصاد المصري ظل هشًا حتى مع افتراض احتواء الحرب.

 

ثم جاء جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، ليؤكد أن المرحلة المقبلة تمثل فرصة لتسريع الإصلاحات مع أهمية استمرار مرونة سعر الصرف لتجنب المخاطر التي سببت الأزمات السابقة. هذا الكلام لا يخفف من مسؤولية السلطة، بل يضعها أمام حقيقة أن الأزمة أعمق من ضجيج الشاشات.

 

كما أن تقارير “نافذة مصر” عن خطاب أحمد موسى تجاه المصريين في الخارج، وعن طريقته في التعامل مع الغضب الاجتماعي، أظهرت أن أبواق النظام لا تقدم تفسيرًا للأزمة، بل تعيد توجيه اللوم نحو المجتمع مرة، ونحو الخارج مرة أخرى، بينما تبقى السياسات الاقتصادية نفسها خارج أي مساءلة حقيقية.

 

ولهذا، فإن جوهر القضية لم يعد في اجتماع تنسيقي هنا أو في هاشتاج هناك، بل في انكشاف بنية كاملة تقوم على مبادرات دعائية يروَّج لها بوصفها إنجازًا اجتماعيًا، ثم تخرج أبواق النظام نفسه لتطعنها عندما يختلط عليها الدور. وعندما تتدخل السلطة لإعادة الجميع إلى الصف، يظهر العيب الأكبر بوضوح؛ المنظومة لم تعد قادرة حتى على تسويق خطابها من دون أن تفضح تناقضها أمام الناس.

 

هكذا لم تكشف أزمة “حياة كريمة” خلافًا على اللاجئين فقط، ولم تكشف تصريحات عمرو أديب مجرد تشاؤم اقتصادي، بل كشفت أن إعلام النظام صار عبئًا على النظام نفسه. فهؤلاء لا ينقلون وقائع، ولا يملكون مواقف مستقرة، ولا يحافظون حتى على اتساق الرواية الرسمية. وعندما يندفعون أكثر من اللازم، تتدخل السلطة لتأديبهم بالصمت أو الحذف أو تعديل النبرة، فينكشفون أمام الجمهور بوصفهم موظفين في ماكينة ضبط، لا إعلاميين يديرون نقاشًا عامًا.