يدخل المصريون عيد الفطر هذا العام بأمنيات أكبر من قدرتهم على الشراء، بعدما صار الفرح نفسه محكوما بسؤال السعر، من الملابس إلى الكعك، ومن الزيارات إلى الخروج، ومن مصروف الأطفال إلى كلفة الانتقال، وفي الخلفية تواصل الأسعار ضغطها على دخول متآكلة، بينما أظهرت بيانات البنك المركزي أن تضخم الحضر سجل 13.4% في فبراير 2026، وهو رقم يشرح لماذا لم يعد العيد موسما للبهجة بقدر ما صار موسما للمفاضلة القاسية بين ما يجب شراؤه وما يجب شطبه من الأساس.

 

العيد تحت حكم الكلفة

 

في الأسواق لا يبدو المشهد احتفاليا كما كان، الناس تسأل أكثر مما تشتري، وتقارن أكثر مما تختار، وتدخل إلى المحال بعين على الأطفال وعين على الجيب، لأن الحفاظ على مظهر العيد البسيط بات يحتاج إلى تنازلات متتالية، قطعة ملابس أقل، علبة حلوى أصغر، زيارة مختصرة، وخروج محسوب بالدقيقة والمصاريف، لذلك لم يعد العيد عند كثيرين مساحة لتجديد البهجة، بل مناسبة تستدعي ما تعجز الميزانية عن توفيره أكثر مما تمنحهم إحساسا فعليا بالراحة.

 

الخبير الاقتصادي محمد محمود عبدالرحيم يضع هذه الصورة في معناها المباشر حين يقول إن تراجع التضخم لا يعني انخفاض الأسعار فورا، بل فقط تباطؤ وتيرة ارتفاعها، وهذا الفارق يفسر فجوة شديدة الوضوح بين الأرقام الرسمية وما يشعر به الناس في السوق، فالمواطن لا يشتري معدل التضخم، بل يشتري سلعة بسعر قائم بالفعل، وحين يبقى السعر مرتفعا لا يشعر بأي تحسن حقيقي حتى لو تراجعت سرعة الزيادة، ولذلك يدخل العيد هذا العام تحت ضغط الأسعار نفسها لا تحت رحمة المؤشرات وحدها.

 

هذا الضغط لا يظهر فقط في قرارات الشراء، بل يمتد إلى داخل البيوت، حيث تعيد الأسر ترتيب أولوياتها بشكل يومي، تؤجل الرغبات، وتضغط المصروف، وتكتفي بما يمنع الإحراج الاجتماعي ولا يحقق الرغبة الكاملة، فتتحول ملابس العيد من حق موسمي شبه ثابت إلى عبء، وتتحول الحلوى من طقس متوارث إلى خيار مشروط، وتتحول الزيارة نفسها إلى تكلفة نقل وضيافة وهدايا، أي أن العيد لم يعد عبئا على بند واحد، بل صار عبئا موزعا على تفاصيله كلها.

 

التنازل لم يعد استثناء

 

في الشارع يمكن قراءة الأزمة بسهولة، أسر تختار البدائل الأرخص في الترفيه والتنقل والاحتفال، وأخرى تشطب الخروج من الأساس، وثالثة تكتفي بالحد الأدنى الرمزي حتى لا يبدو العيد غائبا تماما عن البيت، وهذا لا يعكس فقط سلوكا استهلاكيا حذرا، بل يكشف تحولا أعمق في الحياة اليومية، حيث لم يعد الضغط الاقتصادي محصورا في السلع الكبيرة أو الفواتير الأساسية، بل تسلل إلى المجال الأكثر حساسية في حياة الناس، أي قدرتهم على الفرح من الأصل.

 

الخبير الاقتصادي علي الإدريسي قال بوضوح إن الطبقة الوسطى في مصر تواجه ضغوطا متزايدة أدت إلى انكماش حجمها وتراجع قدرتها الشرائية، وهذه الملاحظة تفسر لماذا لم يعد تقليص الرفاهيات كافيا، ولماذا خرجت أنشطة ترفيهية كاملة من حسابات أسر كانت قبل سنوات قادرة على تدبيرها بلا هذا القدر من التوتر، كما أن تقارير حديثة رصدت بالفعل تراجع استهلاك سلع وأنشطة كانت تعد جزءا عاديا من نمط عيش الطبقة الوسطى، بما فيها الإنفاق الترفيهي نفسه.

 

وحين يصبح الخروج في العيد مشروعا اقتصاديا صغيرا يحتاج إلى حسابات دقيقة، من أجرة الطريق إلى ثمن الوجبة إلى أي مصروف مفاجئ للأطفال، فهذا معناه أن الأزمة تجاوزت حدودها المعتادة، لأن العيد بطبيعته مناسبة يفترض أنها تكسر رتابة الحسابات اليومية، لكن ما يجري الآن هو العكس تماما، فالمناسبة التي كانت تمنح الناس فسحة من الضيق أصبحت تذكرهم بالضيق نفسه في كل تفصيل، وبذلك لم يعد السؤال ماذا سنفعل في العيد، بل ماذا نستطيع أن نفعل من دون أن تنكسر الميزانية.

 

اعتياد الخسارة أخطر من الخسارة نفسها

 

الأخطر في هذا المشهد أن التنازلات الصغيرة بدأت تتحول إلى نمط ثابت، وأن قطاعات واسعة من الناس باتت تتعامل مع تقليص الفرح باعتباره أمرا طبيعيا أو قدرا يوميا لا يثير الدهشة، مع أن هذا التكيف ليس علامة صحة، بل علامة إنهاك، لأن الأسرة التي تعتاد حذف الملابس أو الحلوى أو الخروج أو الزيارة من حساباتها لا تكون قد حلت المشكلة، بل تكون قد أعادت تعريف المقبول تحت ضغط الضرورة، وهذا هو الوجه الأكثر قسوة للأزمة، أن يتحول الانكماش إلى عادة.

 

فخري الفقي قال إن الغلاء والتضخم لهما تأثيرات على النسيج الاجتماعي، وهذه العبارة تبدو هنا شديدة الدقة، لأن ما يتآكل ليس فقط قدرة الشراء، بل الإحساس العام بالاستحقاق الإنساني البسيط، حق الأسرة في مناسبة دينية من دون شعور دائم بالعجز، وحق الأطفال في فرحة لا تسبقها نقاشات مرهقة عن الأسعار، وحق البيت في أن يعيش العيد بوصفه مساحة دفء لا مناسبة تكشف ما لا يملكه، لذلك فالمسألة لم تعد اقتصادية فقط، بل اجتماعية ونفسية أيضا.

 

هكذا يدخل المصريون عيد الفطر بأمنيات كبيرة وميزانيات صغيرة، ويحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه من روح المناسبة عبر بدائل أقل كلفة وتنازلات أكثر إيلاما، لكن الواقع يظل أسبق من كل محاولة، لأن الأسعار لا تترك تفصيلا إلا وتعيد إخضاعه لمنطق الضرورة القصوى، وبذلك لم يعد الفرح في مصر شعورا متاحا بالقدر نفسه للجميع، بل صار امتيازا طبقيا يتسع عند طرف وينكمش عند طرف أكبر، فيما يمضي ملايين الناس إلى العيد وهم لا يطلبون الكثير، فقط يوما لا يهزمهم فيه السعر قبل أن تبدأ الفرحة.