يكشف مشهد سوق الاتصالات في مصر خللًا واضحًا في ترتيب الأولويات. الشركات تتقدم بطلبات لرفع أسعار بعض الخدمات، والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أعلن في 18 نوفمبر 2024 موافقة مبدئية على دراسة التحريك، ثم جرى لاحقًا رفع أسعار بعض الخدمات بنسب بين 15% و20%، بينما ارتفعت أسعار باقات الإنترنت الأرضي مطلع العام بنسبة وصلت إلى 30%. في الوقت نفسه، لم تنكمش شهية الإنفاق الإعلاني في رمضان. بل اتسعت. وهنا يبدأ السؤال السياسي والاقتصادي معًا: لماذا يُطلب من المواطن دفع فاتورة أعلى، بينما تُفتح خزائن الدعاية على اتساعها؟

 

المفارقة لا تحتاج إلى شرح طويل. رئيس شعبة الاتصالات والمحمول بالغرفة التجارية محمد طلعت قال إن شركات المحمول قدمت طلبًا لزيادة أسعار المكالمات والإنترنت وكروت الشحن، لكنه شدد أيضًا على أن تحريك أسعار الوقود لا يعني تلقائيًا أن الجهاز المنظم يجب أن يوافق على الزيادة. هذه نقطة مهمة. لأنها تنزع عن الشركات ذريعة الحتمية. الزيادة ليست قانونًا طبيعيًا. إنها قرار اقتصادي وسياسي، ويجب أن يخضع لاختبار المصلحة العامة، لا فقط لمطالب الشركات.

 

المواطن يدفع مرتين

 

المواطن لا يدفع مرة واحدة. يدفع أولًا في الفاتورة المباشرة. ويدفع ثانيًا داخل السعر نفسه حين تُحمَّل عليه كلفة التسويق الضخم. الدكتور حسن الصادي، أستاذ اقتصاديات التمويل بجامعة القاهرة، قال بوضوح إن الإعلانات المليارية لشركات الاتصالات لا تُدفع من جيوب المديرين ولا المساهمين فقط، بل يتحملها المواطن والدولة في النهاية، لأن الشركات تحمل جزءًا من هذه النفقات على أسعار الخدمات. هذا الكلام يضرب قلب الخطاب التجاري الذي يصور الإعلان كأنه رفاهية منفصلة عن التسعير. الحقيقة أبسط. كل جنيه يُحرق في حملة مبالغ فيها يبحث لاحقًا عن طريقه إلى جيب العميل.

 

الأرقام المتاحة تكشف حجم التناقض، حتى مع غياب إفصاح كامل من الشركات عن إجمالي ما أنفقته في موسم 2026. تقرير منشور في 21 فبراير 2026 أشار إلى أن حملة واحدة لإحدى شركات الاتصالات قُدرت ميزانيتها بنحو 78 مليون جنيه، بينها 60 مليون جنيه أجر للنجم المستخدم في الإعلان. كما نقل التقرير نفسه أن تقديرات سوق الميديا تضع إنفاق موسم رمضان 2025 كله بين 3.5 و4.5 مليار جنيه. لا توجد هنا أرقام رسمية جامعة تخص شركات الاتصالات وحدها، ولذلك لا يصح اختراع رقم نهائي. لكن حتى المتاح يكفي لإثبات أن السوق لا يتعامل مع الإعلان كأداة تعريف، بل كسباق استعراض مكلف.

 

دعاية فاخرة.. وتبريرات قديمة

 

الشركات تقول إن التكاليف ارتفعت. هذا صحيح جزئيًا. لكن الصحيح أيضًا أن بعض اللاعبين الكبار لم يكونوا ينزفون كما يحاولون الإيحاء. الشركة المصرية للاتصالات أعلنت عن إيرادات مجمعة بلغت 106.7 مليار جنيه في 2025، وصافي ربح 22.6 مليار جنيه، بنمو 123% على أساس سنوي. هذه ليست أرقام قطاع على حافة الانهيار. هذه أرقام شركة رابحة بقوة. صحيح أن السوق ليس شركة واحدة، لكن وجود لاعب رئيسي بهذه الربحية يجعل الحديث المرسل عن “الاختناق” بحاجة إلى قدر أكبر من التدقيق، لا إلى تمريره كحقيقة نهائية.

 

وزير الاتصالات الأسبق هاني محمود قال في 12 مارس 2026 إن مناقشة رفع أسعار خدمات المحمول يجب أن تسبقها دراسة تحدد أسباب التكلفة وحجمها الفعلي قبل اتخاذ القرار. هذا هو الحد الأدنى من المنطق العام. لا يكفي أن تقول الشركات إن الدولار ارتفع أو الوقود زاد. يجب أن تفتح دفاترها، وتوضح للمجتمع كم تذهب من مصروفاتها إلى التشغيل الفعلي، وكم يذهب إلى الرعاية والإعلانات والنجوم وشراء مساحات البث. من دون هذا الفصل، تتحول حجة التكلفة إلى ستار واسع يخفي كل شيء.

 

الأخطر أن الإعلانات الرمضانية لم تعد مجرد حضور موسمي. صارت جزءًا من صناعة نفوذ. إعلان ضخم يعني ضجيجًا أكبر. وضجيج أكبر يعني حصة سوقية أوسع. لكن هذه لعبة تخص الشركات، لا المستهلك. المستهلك يريد خدمة مستقرة وسعرًا مفهومًا وجودة قابلة للقياس. لا يريد أن يسدد من فاتورته كلفة سباق بين أربع علامات تجارية على من يشتري الوجه الأشهر، أو الأغنية الأعلى، أو المساحة الأطول. حين تطلب الشركة زيادة الأسعار، ثم تظهر في رمضان بأفخم إنتاج وأغلى النجوم، فهي تهدم بنفسها روايتها عن الضرورة والضيق.

 

السؤال ليس اقتصاديًا فقط

 

القضية في جوهرها ليست سعر دقيقة ولا باقة إنترنت فقط. القضية هي من يدفع ثمن اختيارات الإدارة. إذا كانت الشركات ترى أن رمضان ساحة مناسبة لحرق عشرات الملايين في إعلان واحد، فهذا قرارها. لكن لا يحق لها بعد ذلك أن تطلب من الدولة تمرير الزيادة للمستهلك كأنها استجابة حتمية لارتفاع التكلفة. هنا يعود كلام محمد طلعت مهمًا. زيادة الوقود لا تعني تلقائيًا زيادة الأسعار. ويعود كلام هاني محمود أكثر أهمية. لا قرار من دون دراسة حقيقية. ويأتي كلام حسن الصادي ليضع الخلاصة في مكانها الصحيح: المواطن هو من يتحمل الفاتورة الأخيرة.

 

النتيجة واضحة. شركات الاتصالات تريد من الدولة أن تتفهم أعباءها، لكنها لا تقدم نموذجًا جادًا لضبط إنفاقها الدعائي. تريد من المواطن أن يستوعب الزيادة، لكنها لا تشرح له لماذا تبدو فقيرة عند التسعير وغنية عند الإعلان.

في أي سوق محترم، يبدأ طلب الزيادة من خفض المصروفات غير الضرورية، لا من تحميل العميل تكلفة البذخ. وما دام هذا لم يحدث، فكل طلب جديد لتحريك الأسعار سيبدو، سياسيًا وأخلاقيًا، كأنه نقل مباشر للمال من جيوب الناس إلى شاشات رمضان.