عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليضع نفسه وسيطًا في أحد أعقد نزاعات المياه في العالم، معلنًا في رسالة إلى قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي استعداده لاستئناف الوساطة الأميركية بين مصر وإثيوبيا “لحل مسؤول ونهائي” لملف تقاسم مياه النيل وخفض التوتر حول سدّ النهضة.
الترحيب المصري والسوداني جاء سريعًا، بينما ظل الموقف الإثيوبي الرسمي صامتًا في الأيام الأولى، في وقت تؤكد فيه تقارير دولية أن السد بات واقعًا تشغيليًا بعد اكتمال الملء وبدء التشغيل، وأن جوهر الأزمة لم يعد “هل يُبنى السد؟” بل “كيف يُدار؟” ووفق أي قواعد مُلزِمة في سنوات الجفاف والجفاف الممتد، وبأي آليات شفافة لتبادل البيانات وتسوية النزاعات.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه مع “عودة أمريكا” ليس فقط: هل تستطيع واشنطن كسر الجمود؟ بل: هل هي وساطة أم صفقة؟ وما الذي تريده إدارة ترامب – سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا – في المقابل؟
السد أمر واقع
يرى أستاذ الموارد المائية عباس شراقي أن اختلاف اللحظة الحالية عن جولات سابقة لا يعني تلقائيًا فرص نجاح أعلى، لأن نقطة الانطلاق تغيّرت: إثيوبيا أكملت الملء وتتعامل مع السد باعتباره حقيقة نهائية.
لذلك يركز شراقي على أن الهدف الواقعي لم يعد “منع الخطر”، بل تنظيم آثاره وتقليلها عبر اتفاق تشغيل طويل الأمد يضبط الإطلاقات في أوقات الشح، ويمنع التقلبات المفاجئة التي تُربك إدارة السدود والزراعة في دولتي المصب.
وهو يؤكد في أكثر من تعليق أن القاهرة يمكنها الترحيب بأي مبادرة دولية “جادة”، لكن بشرطين حاسمين: وضوح الشروط التي تحفظ الثوابت المصرية، ورفض فتح الباب أمام مقايضات سياسية تُخلط فيها المياه بملفات أخرى.
هذا التحفظ يرتبط مباشرة بإذا كانت الوساطة ستُعاد كـ“إعادة تدوير” لمسار 2020 الذي انتهى بلا توقيع إثيوبي، فما الذي تغيّر؟
هنا يلتقط شراقي الخيط الأخطر: نجاح الوساطة لا يُقاس بالتصريحات، بل بنص مُلزِم وآلية رقابة وتبادل بيانات، وإلا ستتحول “عودة أمريكا” إلى هدنة سياسية قصيرة تمنح أديس أبابا مزيدًا من الوقت، وتمنح واشنطن “صورة الوسيط” دون ثمن حقيقي تدفعه إثيوبيا.
الحد الأدنى للمياه
في المقابل، يضع د. نادر نور الدين – أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة – إصبعه على المطلب الفني الذي يفضح أي وساطة شكلية: التعهد بحد أدنى للتدفقات الخارجة من السد، لا سيما في الجفاف.
نور الدين يكرر أن إثيوبيا ترفض منذ سنوات تقديم تعهدات واضحة لمصر والسودان بشأن هذا الحد الأدنى، وأن أي حديث عن حل دون هذا البند هو مجرد تدوير للأزمة.
كما يقرأ في خطاب ترامب إقرارًا بمبدأ أن “ليس من العدل” أن تتحكم دولة واحدة في مقدرات نهر مشترك، لكن تحويل هذا الإقرار إلى ضمانات يتطلب اتفاقًا مكتوبًا مُلزِمًا وآليات تنسيق تشغيل وشفافية بيانات.
أما الوزير الأسبق للري محمد نصر علام فيذهب إلى جوهر المعضلة السياسية: “الكرة في ملعب إثيوبيا”.
ويذكّر – عبر المنصة – بأن مسار واشنطن عام 2020 أنتج مسودة اتفاق بالفعل تحت إشراف الخزانة الأميركية والبنك الدولي، ووقّعت عليه مصر بالأحرف الأولى، بينما انسحبت إثيوبيا من التوقيع النهائي؛ ما يعني أن أزمة اليوم ليست نقصًا في الأوراق بل نقصًا في الإرادة الإثيوبية للالتزام.
من هنا يختبر نصر علام وساطة ترامب بسؤال واحد: ما الذي سيدفع أديس أبابا للتوقيع هذه المرة؟ هل لدى واشنطن أدوات ضغط أو حوافز كافية؟ أم ستكتفي بإدارة الأزمة؟
“النهر مقابل البحر”.. أين يدخل المقابل؟ غزة، البحر الأحمر، والكهرباء
هنا تتكثف دلالة “المساومة”. رسالة ترامب – وفق رويترز وتغطيات أخرى – لم تأتِ في فراغ، بل جاءت بعد إشادة بدور مصر في ملفات إقليمية، وبينها وساطات مرتبطة بغزة، وهو ما يجعل بعض التحليلات ترى أن “عودة الوساطة” جزء من ترتيب مصالح أوسع.
ويحذر خبراء صراحة من احتمال “صفقة في البحر الأحمر”: فالتوقيت يرتبط بتصاعد توترات إقليمية تشمل البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وبالحديث عن صوماليلاند واتفاق إثيوبي سابق للبحث عن منفذ بحري، وهو ملف تعتبره دوائر مصرية حساسًا للأمن القومي وقناة السويس وباب المندب.
في هذا السياق ظهر التعبير المكثف: “النهر مقابل البحر”؛ أي أن حلّ عقدة السد قد يُستخدم كورقة ضمن ترتيبات أوسع تتعلق بالمنافذ البحرية والتموضع العسكري والنفوذ في القرن الأفريقي.
حتى داخل خطاب ترامب نفسه تلوح ملامح “المقابل” بصيغة تقنية تبدو بريئة لكنها سياسية بامتياز: ضمان إطلاقات مائية متوقعة لمصر والسودان في الجفاف، مقابل تمكين إثيوبيا من توليد “كميات كبيرة من الكهرباء” وربما بيع جزء منها أو منحها لدولتي المصب. هذا الطرح – كما تذكر المنصة – يضع “الكهرباء” ضمن سلة الترتيبات: مياه مقابل طاقة، لكن ضمن إشراف/مراقبة أميركية.
ومن زاوية أوسع للخيارات المصرية بعد انسداد المسار التفاوضي، كانت الباحثة أماني الطويل قد ناقشت منذ 2024 سؤال “ماذا بعد إنهاء المسار التفاوضي؟” من حيث الحاجة إلى حشد دعم إقليمي ودولي، وربط الأمن المائي بتداعيات أمنية أوسع على الإقليم وأوروبا، بدل ترك الملف أسير جولات تفاوض بلا ضمانات.
استدعاء رؤيتها اليوم يضيف بعدًا سياسيًا لعنواننا: إذا كانت الوساطة الأميركية ستعود، فيجب ألا تعود كـ“جلسة تصوير” جديدة، بل كمدخل لتدويل الضمانات وآليات الإلزام، وإلا تحولت إلى مقايضة تُدار خارج النصوص الملزمة.
الخلاصة: “عودة أمريكا” قد تكون فرصة إذا دخلت واشنطن بخريطة طريق تُنهي مرحلة الإرشادات غير الملزمة إلى اتفاق تشغيل مُلزِم ورقابة وبيانات. لكنها قد تكون أيضًا إعادة تدوير لصيغة فشلت من قبل، مع إضافة سلة “مقابل” جديدة: تهدئة في البحر الأحمر، ترتيبات في القرن الأفريقي، أو حتى مقايضات طاقة-مياه تحت مظلة سياسية. وفي كل الأحوال، الاختبار الحقيقي ليس نبرة الرسائل… بل ما إذا كانت إثيوبيا ستوقّع وتلتزم، وما إذا كانت القاهرة ستمنع تحويل “شريان الحياة” إلى بند على طاولة مقايضة.

