انتشر حديث واسع عن سائق ألقى بنفسه في النيل من أعلى كوبري الجامعة بعد عجزه عن توفير متطلبات زواج ابنته المخطوبة.

الرواية—بغضّ النظر عن تفاصيلها الدقيقة التي لا يملكها الجمهور كاملة فتحت بابًا موجعًا على واقع مصري متكرر: ضغط اقتصادي خانق، وتقاليد اجتماعية ترفع سقف “الجهاز” والتجهيز، وغياب شبكات دعم فعّالة تلتقط الناس قبل الانهيار.

في لحظة واحدة يتحول حدث كان يفترض أن يكون فرحًا إلى سبب لفقدان الحياة، وكأن الأسرة تُدفع إلى اختيار مستحيل بين الكرامة كما يرسمها المجتمع وبين القدرة كما يفرضها الواقع.

 

الفقر ليس وحده: كيف يصنع الضغط الاجتماعي اليأس؟

 

في مصر، “تجهيز العروس” ليس مجرد قائمة مشتريات، بل امتحان اجتماعي كامل تُحاسَب عليه الأسرة أمام الأقارب والجيران، وتُقاس به “الهيبة” و”الستر” و”القدرة”.

كثيرون يرددون عبارات مثل “البنت لازم تدخل بيتها كاملة”، فتتحول الجملة إلى سلاح نفسي يطارد الأب ليلًا ونهارًا، حتى لو كان دخله بالكاد يكفي الطعام والإيجار والمواصلات.

 

الضغط لا يأتي فقط من أهل العريس أو المقارنة بين الأسر، بل من ثقافة عامة تمجّد المظاهر وتُحرج من يختار التبسيط، وتتعامل مع التيسير كأنه نقص أو فشل.

وحين يدخل الأب دائرة الديون—قروض، سلف، جمعيات يصبح أسيرًا لسباق لا ينتهي: كلما دفع جزءًا ظهر جزء جديد.

ومع تراكم الإحباط، قد يشعر أنه فقد السيطرة على أبسط واجباته، وأنه يُخذل ابنته في أهم لحظة في حياتها، فتتآكل مناعته النفسية تدريجيًا حتى يصل إلى حافة لا يراها من حوله إلا بعد فوات الأوان.

 

الاقتصاد اليومي: لماذا يتحول الزواج إلى “مشروع تعجيزي” للأسر؟

 

الغلاء لا يضغط على “الجهاز” وحده، بل يضغط على كل تفاصيل الحياة: السكن، الفواتير، العلاج، التعليم، والمواصلات. حين ترتفع كلفة المعيشة، لا ترتفع معها أجور كثير من الفئات العاملة باليومية أو المهن الهشة، فيتسع الفرق بين الدخل المطلوب والدخل المتاح.

 

في هذا السياق، يصبح الزواج عبئًا مركبًا:

 

  • بيت يحتاج فرشًا وأجهزة في سوق أسعارها متقلبة.
  • حفلات وخطوبة وشبكة ومصاريف انتقالات ومتطلبات “أساسية” يصنعها العرف أكثر مما يصنعها الدين أو العقل.
  • ووقتٌ ضيق لأن “الناس مستعجلة” و”العريس مستني” و”الكلام هيزيد”.

 

وهكذا يُدفع الأب إلى حلّين كلاهما مُر: إما أن يرفض الشروط فيُتهم بالتقصير، أو يوافق ويغرق في ديون تُذلّه وتخنقه. والنتيجة أن أزمة اقتصادية تتحول إلى أزمة كرامة، ثم إلى أزمة نفسية. ما يقتل هنا ليس الفقر وحده، بل الإحساس بالعجز تحت نظرة مجتمع لا يرحم.

 

أين الدعم؟ بين مسؤولية الدولة ومسؤولية المجتمع والأسرة

 

هذه المأساة لا تُحل بخطاب عاطفي فقط، بل بخطوات واضحة على مستويين:

 

على مستوى المجتمع:

 

التيسير يجب أن يصبح قاعدة لا استثناء. معنى الرجولة والستر ليس في الأجهزة الثقيلة ولا في قوائم الشراء، بل في بناء بيت مستقر بالعقل والمودة. الأسر التي ترفع السقف على غيرها تزرع أزمة عامة، لأن كل “مبالغة” تتحول لاحقًا إلى معيار جديد يُفرض على الجميع.

 

على مستوى الدولة والخدمات:

 

هناك حاجة لتوسيع مظلة الدعم الاجتماعي والمالي للأسر الأكثر هشاشة، وتوفير خدمات إرشاد أسري ونفسي قريبة وسهلة الوصول. والأهم: نشر ثقافة طلب المساعدة قبل الانفجار، لأن كثيرين ينهارون بصمت؛ لا يشكون خوفًا من الوصمة أو “كلام الناس”.

 

في مصر توجد بالفعل قنوات رسمية للدعم النفسي والاستشارات، مثل الخط الساخن للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، إلى جانب المنصة الوطنية الإلكترونية للصحة النفسية التابعة لوزارة الصحة.

 

كما تحدثت منظمة الصحة العالمية عن إطلاق منصة مصرية وطنية مجانية للاستشارات والخدمات النفسية عن بُعد.

 

هذه الموارد لا تعيد من رحلوا، لكنها قد تمنع مأساة أخرى إذا وصلت للناس في الوقت الصحيح.

 

الحياة أغلى من “الجهاز”… والعار الحقيقي هو الصمت

 

القصة كما يرويها الناس تلخص جرحًا مصريًا قديمًا يتجدد: زواج يتحول إلى سباق استهلاكي، وأب يُقاس قدره بقدرته على الدفع، ومجتمع يعاقب من يحاول التبسيط. في النهاية، لا أحد يكسب: لا العروس، ولا الأسرة، ولا المجتمع.

 

إنقاذ ما يمكن إنقاذه يبدأ بإعادة تعريف الكرامة: الكرامة في الأمان والرحمة، لا في الفواتير. ويبدأ كذلك بكسر وصمة الدعم النفسي: طلب المساعدة ليس ضعفًا، بل شجاعة.