بقرار مفاجئ، أعلنت الهيئة القومية لسكك حديد مصر إلغاء وإيقاف خدمة حجز تذاكر القطارات من خلال شركة «فوري» ووكلائها اعتبارًا من 18 يناير 2026، بدعوى «عدم الالتزام بإجراءات الرقابة والحوكمة» وتلاعب بعض الوكلاء بإعادة طباعة التذاكر وبيعها أكثر من مرة للركاب.
في المقابل، سارعت «فوري» إلى التأكيد أنها لم تُخطر رسميًا مسبقًا، وأنها تتواصل مع الهيئة لمعرفة طبيعة وحجم المشكلة تمهيدًا لاستئناف الخدمة. وبين البيانين، ضاعت أصوات الركاب الذين وجدوا أنفسهم ضحية تذاكر مكررة، ونصب مقنّن، وإهمال رقابي سمح بتحويل خدمة يُفترض أنها «تيسير على المواطنين» إلى باب واسع للفوضى.
قرار متأخر بعد فضيحة التذاكر المكررة
وفق بيان السكة الحديد، القرار جاء «حرصًا على حماية حقوق الركاب»، بعد رصد قيام بعض وكلاء البيع التابعين لـ«فوري» باستخدام خاصية إعادة الطباعة لإصدار تذاكر السفر عدة مرات وبيعها لجمهور المسافرين بالمخالفة للقانون وشروط التعاقد، رغم توقيع غرامات سابقة على الشركة لتنبيهها إلى ثغرات الرقابة.
الهيئة أكدت أنها ضبطت بالفعل عددًا من الوكلاء المخالفين، وأحالتهم إلى جهات التحقيق، وأنها قررت إلغاء التعاقد مع «فوري» مع استمرار الحجز عبر باقي شركات التحصيل الإلكتروني (أمان، الأهلي ممكن، ضامن،… إلخ)، إضافة إلى منافذ الهيئة الرسمية، وتطبيق الهاتف المحمول ومركز خدمة العملاء.
لكن هل يكفي بيان شديد اللهجة وقرار إداري متأخر لتبرئة ذمة السكة الحديد؟
الهيئة تعترف في بيانها أنها كانت تعلم مسبقًا بوجود مشكلة؛ فقد «لاحظت» تكرار طباعة التذاكر ووقّعت غرامات على «فوري» دون أن تتخذ إجراء جذريًا إلا بعد انفجار القضية على العلن. هذا يعني أن المنظومة سمحت لفترة ليست قصيرة بتداول تذاكر مكررة وترك المواطنين يكتشفون الكارثة بأنفسهم على أبواب القطارات.
ضحايا التلاعب: تذاكر مزوّرة ومقاعد مضروبة ومواطن في المنتصف
القضية ليست نزاعًا تعاقديًا بين هيئة حكومية وشركة مدفوعات فقط؛ بل لها وجه إنساني واضح: ركاب دفعوا ثمن التذكرة واكتشفوا في العربة أن تذكرتهم «مكررة»، وأن مقعدهم مشغول، أو أن الكمسري يعتبر الورقة بلا قيمة لأن النظام سجّلها مرة واحدة.
تقارير صحفية تحدثت عن واقعة «هزّت» السكة الحديد، حين ضبطت الهيئة أحد وكلاء البيع وهو يطبع تذاكر لقطارات «تحيا مصر» على خطوط الضواحي بنفس الرقم التسلسلي ويبيعها لركاب مختلفين، في جريمة كاملة الأركان تستهدف الراكب والمال العام معًا. هذه الواقعة ليست استثناء، بل نموذج لطريقة عمل خطيرة: استغلال ثغرة إعادة الطباعة لتحويل ماكينة الحجز إلى ماكينة «نصب» قانوني.
عمليًا، النمط واحد في معظم الشكاوى المتداولة:
- راكب يحجز من وكيل «فوري»، يحصل على تذكرة مختومة برقم مقعد ورحلة وتاريخ.
- عند صعود القطار، يجد شخصًا آخر يحمل تذكرة مطابقة أو يبلغه المحصل أن رقمه مستهلك بالفعل.
- تبدأ مشادة بين الركاب، ويتحول الخطأ التقني أو التلاعب المتعمد إلى أزمة في العربة، بينما يختفي الوكيل الذي قبض الثمن، وتتنصل كل جهة من المسؤولية.
هذه الكارثة لم تأتِ من فراغ؛ فالسكة الحديد سبق أن حذرت في 2022 من تطبيقات مزيفة لحجز التذاكر وأقرت بوجود حالات نصب استغلت تعطّش الناس للخدمات الإلكترونية وتجنّب طوابير الشبابيك. واليوم يتكرر المشهد بشكل أكثر تعقيدًا: هذه المرة النصب ليس عبر تطبيق مزيف، بل عبر ثغرة في شركة معتمدة رسميًا، المفترض أنها جزء من «التحول الرقمي» الذي تتباهى به الحكومة.
المفارقة القاسية أن المواطن المصري يجد نفسه دائمًا الحلقة الأضعف:
- إذا اشترى من السوق السوداء يُلام على تشجيع الفساد.
- وإذا التزم بالقنوات الرسمية وتوجه لوكيل معتمد، يمكن أن يستيقظ على خبر أن خدمته أُوقفت وأن تذكرته أصبحت ملفًا في تحقيقات النيابة.
فوري تبرّئ نفسها والسكة الحديد تتنصّل.. فمن يعوّض الركاب؟
رد «فوري» لم يحمل اعتذارًا واضحًا للركاب بقدر ما ركّز على الإطار الشكلي، حيث قالت الشركة إنها لم تتلق إخطارًا رسميًا بقرار الإلغاء، وإنها تتواصل مع السكة الحديد «لمعرفة طبيعة وحجم المشكلة» والعمل على حلها واستئناف تقديم الخدمة. كما أشارت إلى وجود آلية داخلية للتعامل مع المعاملات محل النزاع عبر فحص الشكاوى والتحقق من صحتها.
في المقابل، تضغط السكة الحديد في بياناتها على نقطة «عدم التزام الشركة بإجراءات الرقابة والحوكمة وعدم إيقاف خاصية إعادة الطباعة رغم التنبيهات والغرامات»، وتقدّم القرار باعتباره دفاعًا عن حقوق الركاب، من دون أن تعلن حتى الآن عن خطة تعويض واضحة لمن تضرروا بالفعل من التذاكر المكررة أو ضياع رحلاتهم أو اضطرارهم لدفع ثمن تذكرة ثانية لإنقاذ سفرهم.
بين طرفين يتبادلان اللوم، تضيع الأسئلة الأهم:
- كم عدد الركاب الذين اكتشفوا أن تذاكرهم مكررة أو غير صالحة؟
- ما حجم المبالغ التي دُفعت في تذاكر باطلة خلال فترة السماح لهذا العبث؟
- لماذا لم تُعلَن منذ اليوم الأول آلية محددة وسريعة لتعويض كل متضرر، بدلًا من تحويل الأمر إلى نزاع تقني بين هيئة وشركة؟
الأخطر أن الهيئة قررت مواصلة التعامل مع بقية شركات التحصيل الإلكتروني المتعاقدة معها، مع تأكيدها تشديد الرقابة. لكن التجربة الأخيرة تثبت أن الرقابة لم تكن فاعلة رغم كل الشعارات، وأن فلسفة إدارة المرفق نفسه بحاجة إلى مراجعة، لا مجرد تغيير اسم الشركة على ماكينة الحجز.
إذا كانت الدولة جادة في حماية المواطنين، فالمطلوب ليس فقط «إلغاء فوري» من منظومة التذاكر، بل إعلان نتائج التحقيق للرأي العام، ونشر أرقام المتضررين، وإقرار آلية تعويض شفافة، ومراجعة جذرية لكل عقود الحجز الإلكتروني، مع إشراك جهاز حماية المستهلك والرقابة الإدارية في الرقابة على هذا الملف.
أما الاكتفاء ببيان حاد من السكة الحديد ورد دفاعي من «فوري»، وترك الركاب يجرّون خلفهم تذاكر مضروبة وذكريات سيئة مع خدمة كان يفترض أن تريحهم، فهو استمرار للنهج نفسه: المواطن آخر من يُسأل، وأول من يدفع الثمن.

