في خطابه أمام مجلس الشيوخ، قدّم وزير الموارد المائية والري هاني سويلم نسخة محدثة من الرواية الرسمية عن أزمة المياه في مصر: طلب سنوي يبلغ 88.55 مليار متر مكعب، مقابل موارد متجددة لا تتجاوز 65.35 مليار متر مكعب، يجري تعويض جزء من الفجوة فيه عبر إعادة استخدام 23.2 مليار متر مكعب من المياه، مع تراجع نصيب الفرد إلى نحو 500 متر مكعب سنويًا. أرقام صادمة، لكنها تُقدَّم في إطار ما يسميه الوزير «منظومة المياه 2.0»، القائمة على التكنولوجيا الحديثة وإعادة الاستخدام، أكثر مما تُقدَّم باعتبارها نتيجة مباشرة لمعادلة سياسية مختلة حول نهر النيل وسد النهضة.

 

اللافت أن هذه الأرقام تكاد تتطابق مع تقديرات مؤسسات دولية تعتبر أن احتياجات مصر المائية تتجاوز 90 مليار متر مكعب سنويًا، بينما لا تتجاوز حصتها من النيل 55.5 مليار متر مكعب، مع هبوط نصيب الفرد بالفعل إلى أقل من 500 متر مكعب سنويًا، أي أقل بكثير من خط الفقر المائي العالمي البالغ 1000 متر مكعب للفرد. لكن بدل من الاعتراف بأن جوهر المشكلة سياسي واستراتيجي، يستمر الخطاب الرسمي في تحميل «الزيادة السكانية» وزر الأزمة، وكأن ملايين المصريين هم من وقّعوا إعلان المبادئ في 2015 أو تركوا سد النهضة يصل إلى التشغيل الكامل دون اتفاق ملزم.

 

أرقام رسمية تخفي عجزًا خطيرًا

 

من الناحية التقنية، لا يمكن التقليل من أهمية تحديث إدارة الموارد المائية، واستخدام نظم الري الحديثة، وتوسيع إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والصحي، كما تحدث الوزير عن زيادتها إلى 23.2 مليار متر مكعب سنويًا. لكن وضع هذه الإجراءات في إطار «جيل ثانٍ من الاستراتيجيات» يوحي كما لو أن الأزمة يمكن حلها هندسيًا فقط، بينما تشير الأرقام نفسها إلى أن مصر تعيش فوق 100٪ من طاقتها المائية الطبيعية وتعتمد على الاقتراض المائي من المستقبل عبر إعادة الاستخدام المكثف واستيراد غذائها من الخارج.

 

الخبير المصري في الجيولوجيا والموارد المائية د. عباس شراقي يذكّر بأن الخلل لا يقف عند حد العجز السنوي، بل عند طبيعة الصدمات التي خلقها سد النهضة بالفعل. ففي تصريحات صحفية حديثة، حذّر من أن أضرار السد على حصة مصر وصلت إلى نحو 90 مليار متر مكعب خلال سنوات الملء المتتالية، مؤكدًا أن ملء وتشغيل السد من طرف واحد أثّر فعليًا على تدفق مياه النيل لمصر والسودان، وليس مجرد تهديد نظري كما تحاول أديس أبابا تصويره.

 

إذا كانت الحكومة تتفاخر بأن نصيب الفرد من المياه انخفض إلى 500 متر مكعب «رغم تحسن معدل النمو السكاني»، فهذه مفارقة لافتة: فحتى مع تباطؤ الزيادة السكانية نسبيًا، يواصل نصيب الفرد الانهيار، ما يعني أن المشكلة ليست في «عدد المصريين» فقط، بل في ثبات الموارد، وانكشاف مصر شبه الكامل أمام قرار إثيوبي منفرد على بعد مئات الكيلومترات من بحيرة ناصر. هنا تتحول «منظومة المياه 2.0» إلى ستار ناعم يغطي فشلًا سياسيًا استمر أكثر من عقد.

 

سد النهضة وإعلان المبادئ.. خطأ سياسي يطارد الأمن المائي

 

منذ 2011، حذّر المسؤولون المصريون أنفسهم من أن سد النهضة «تهديد وجودي» للأمن المائي المصري، وأن أي مساس بحصة مصر التاريخية «عمل عدائي» يستوجب ردًا قويًا، كما قال وزير الخارجية الأسبق سامح شكري. ومع ذلك، مضت إثيوبيا في البناء والملء والتشغيل الكامل تقريبًا، وصولًا إلى خمس مراحل من الملء بين 2020 و2024 وتشغيل توربينات لتوليد الكهرباء، بينما انتهت جولات التفاوض الأخيرة في 2023 بإعلان القاهرة فشل المفاوضات بسبب تعنّت أديس أبابا، كما اعترفت تقارير رسمية مصرية نفسها.

 

الخبير في شؤون المياه والأراضي د. نادر نور الدين يصف التخلّي عن ورقة التفاوض الأساسية بأنه «خطأ استراتيجي جسيم». ففي حوار منشور عام 2025، قال بوضوح إن مصر «ارتكبت خطأ فادحًا بتوقيع إعلان المبادئ على سد النهضة قبل التفاوض على بنوده التفصيلية»، ما منح إثيوبيا شرعية سياسية دون أن تحصل مصر في المقابل على اتفاق ملزم بحصتها من المياه أو بقواعد الملء والتشغيل.

 

وجهة النظر هذه تجد صدى في دراسات دولية كذلك؛ فالباحث الأمريكي كيفن ويلر وزملاؤه، في دراسة منشورة في مجلة Nature Communications، يشيرون إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود السدين (النهضة والعالي) في حد ذاته، بل في غياب اتفاق تشغيلي واضح ومنسَّق بينهما لإدارة سنوات الجفاف والفيضانات. فمع وجود أحد أكبر سدين في العالم في بلدين مختلفين، يصبح انفراد طرف واحد بقرار التخزين والتصريف وصفة مضمونة لصراع طويل حول المياه.

 

برغم هذه التحذيرات، ما زال الخطاب الحكومي يفضّل التركيز على «سلوك المواطن» و«استهلاك الأسر» و«تكلفة المياه المدعومة»، بينما يتعامل مع أحد أكبر ملفات الأمن القومي في تاريخ مصر الحديث كأزمة تفاوضية عابرة، لا كتحوّل بنيوي في ميزان القوى على النيل. هكذا يصبح الحديث عن إعادة استخدام المياه أو تبطين الترع أو الرّي بالتنقيط بلا معنى سياسي إذا لم يُقرَن بإستراتيجية صلبة لاستعادة القدرة التفاوضية والقانونية على نهر دولي مشترك.

 

من إدارة الأزمة إلى إدارة الفشل: خبراء يحذّرون من اللعب في الهامش

 

على مستوى الأمن المائي الفعلي، يحذّر خبير هندسة السدود المصري د. محمد حافظ منذ سنوات من أن التعامل مع سد النهضة باعتباره «أمرًا واقعًا» دون اتفاق تشغيل ملزم، لا يعرّض حصة مصر من المياه فقط للخطر، بل يهدد أيضًا سلامة بحيرة ناصر نفسها، سواء في حالة الجفاف الممتد أو في سيناريوهات الطوارئ المرتبطة بإدارة الخزان الإثيوبي أو حتى مخاطر السلامة الإنشائية. وقد ذكرت تقارير دولية وتحليلات متخصصة أن حافظ أثار مرارًا مخاوف من سوء تقدير تأثيرات تغيّر التدفق على مخزون بحيرة ناصر وعلى قدرة السد العالي على امتصاص الصدمات.

 

في الخلفية، يذكّر د. نادر نور الدين بأن استمرار الاعتماد على حصة ثابتة من النيل، دون اتفاق ملزم مع دول المنبع، يضع مصر في موقع ضعف بنيوي أمام أي مشروع جديد أعلى النهر، وليس سد النهضة وحده. فالاتفاقيات التاريخية (1902 و1959) توفر إطارًا قانونيًا يمكن البناء عليه، لكنها لم تُفعَّل بصرامة في مواجهة الأمر الواقع الإثيوبي، ولم تُستكمل بدعاوى قضائية أو تحركات فعّالة أمام محاكم أو هيئات دولية متخصصة، كما أشار في أكثر من مقال وتحليل.

 

في المقابل، تؤكد تقارير علمية صادرة عن الجامعة الأمريكية في القاهرة ومراكز أبحاث دولية أن مصر تجاوزت بالفعل خط الفقر المائي منذ سنوات، وأنها الآن على أعتاب «ندرة مائية مطلقة» مع اقتراب نصيب الفرد من 500 متر مكعب سنويًا، بفارق خطير عن الحد الآمن عالميًا، وأن الضغط المائي تجاوز 140٪ من الموارد المتاحة، ما يعني أن البلاد تعيش في حالة استنزاف مائي مستمر لا يمكن تعويضه بمزيد من «الترشيد» وحده.

 

في ظل هذه الصورة، يصبح خطاب تحميل المواطن مسؤولية الأزمة – عبر لوم الزيادة السكانية أو الحديث عن «إسراف الأسر في الاستهلاك» – نوعًا من الهروب إلى الأمام. الأزمة، كما يصفها الخبراء الأربعة، هي قبل كل شيء أزمة خيارات سياسية واستراتيجية: توقيع غير محسوب على إعلان مبادئ، مفاوضات امتدت 12 عامًا بلا اتفاق، قبول عملي بالأمر الواقع الإثيوبي، وإهمال أدوات القانون الدولي للمجاري المائية والضغط الدبلوماسي الحقيقي، مقابل استثمار سياسي وإعلامي في مشروعات تحلية وتبطين ترع، لا تعوّض قطرة واحدة مفقودة من تدفقات النيل.

 

إذا كانت «منظومة المياه 2.0» تعني فعلاً تحديث الإدارة والري وإعادة الاستخدام، فإن جيلًا من الخبراء يحذّر اليوم من أن المطلوب قبل ذلك هو «سياسة مياه 2.0»؛ سياسة تعترف بأن الأمن المائي لا يُدار فقط من خلال وزارة الري، بل من خلال قرار سيادي واضح يضع ملف النيل في قلب أولويات الدولة، لا في هامش خطابات تحميل الفقراء ثمن أخطاء لم يرتكبوها.