يضغط التضخم مجددا على السوق المصرية في توقيت شديد الهشاشة، بعد صعود الدولار فوق مستوى 52 جنيها ورفع أسعار الوقود في 10 مارس، بما أعاد شبح الغلاء إلى الواجهة ودفع محللين إلى توقع تضخم يتراوح بين 14% و15% خلال مارس، مقابل 13.4% في فبراير وفق بيانات البنك المركزي، وهو ما يضع البنك المركزي نفسه أمام مأزق واضح، إما التمسك بمسار التيسير النقدي الذي بدأه في أبريل 2025 أو التراجع سريعا أمام موجة أسعار جديدة تضرب النقل والغذاء والخدمات في وقت واحد.

 

المشهد لا يحتاج إلى كثير تجميل، لأن العملة تعرضت لضغط حاد مع خروج أموال أجنبية من سوق الدين، وتراجع الجنيه إلى أدنى مستوياته الرسمية، بينما أظهر موقع البنك المركزي في 17 مارس متوسط سعر بيع للدولار عند 52.4303 جنيه، بالتزامن مع قرار رسمي برفع أسعار المنتجات البترولية والغاز المستخدم في تموين السيارات بواقع 3 جنيهات اعتبارا من الساعة 3 صباح يوم 10 مارس، وهي صدمة مزدوجة انتقلت فوريا إلى تكلفة النقل والاستيراد والإنتاج، ثم بدأت طريقها المعتاد إلى جيب المستهلك.

 

الدولار والوقود يشعلان موجة الغلاء الجديدة

 

في قلب هذه الصورة تأتي تقديرات إسراء أحمد محللة الاقتصاد الكلي في ثاندر، التي رجحت أن يصل التضخم في مارس إلى 15% إذا لم يشهد الدولار تغيرا خلال الشهر، مع تأكيدها أن زيادة أسعار المحروقات ستضغط صعودا على معظم بنود الرقم القياسي وبالأخص الغذاء وخدمات النقل، لأن السولار يدخل مباشرة في كلفة نقل السلع وإنتاجها، وهو تقدير يبدو منطقيا إذا وضع بجوار الارتفاع الرسمي المسجل بالفعل في فبراير، وبعده مباشرة صدمة الوقود وصعود العملة الأميركية.

 

الخطورة هنا أن السوق لم تدخل مارس من نقطة هدوء كاملة أصلا، فالتضخم كان قد تباطأ بالفعل خلال الشهور السابقة قبل أن يعاود الصعود إلى 13.4% في فبراير، مع بقاء التضخم الأساسي عند 12.7% بحسب البنك المركزي، ما يعني أن أي صدمة جديدة لم تكن ستسقط على أرض صلبة بل على أرض رخوة ومتوترة أصلا، ولذلك فإن ارتفاع الدولار والوقود لم يفتح دورة تضخمية من الصفر بل ضخ وقودا إضافيا في مسار لم ينطفئ تماما من الأساس.

 

الأسوأ أن العدوى بدأت تتحرك فعلا في السوق الغذائية، فالتقارير المحلية رصدت ارتفاعات في الدواجن والعلف مع تبريرات مرتبطة بالحرب والتكلفة، وهذا ينسجم مع ما قالته إسراء أحمد عن أن ضعف الجنيه يضيف موجة تضخمية أخرى مرتبطة بزيادة كلفة الواردات، أي أن المستهلك لا يواجه زيادة واحدة بل طبقتين من الارتفاع، الأولى من الوقود والنقل، والثانية من العملة والاستيراد، وفي اقتصاد يعتمد على مدخلات مستوردة واسعة يصبح هذا المزيج كافيا لدفع الأسعار إلى الأعلى بسرعة أكبر من أي قدرة على التكيف.

 

توقعات المحللين تكشف مأزق المركزي قبل اجتماع أبريل

 

هبة منير محللة قطاع البنوك والاقتصاد الكلي في إتش سي للأوراق المالية والاستثمار ذهبت إلى تقدير أكثر تحفظا لكنه لا يقل خطورة، إذ رجحت تضخما عند 14.3% على أساس سنوي و2.4% على أساس شهري خلال مارس، وهذا معناه أن الأزمة ليست مجرد قفزة عابرة في الأسعار السنوية، بل ارتفاع شهري ملموس يعكس انتقال الضغوط إلى السوق بوتيرة سريعة، وهي إشارة ثقيلة أمام لجنة السياسة النقدية التي من المقرر أن تجتمع في 2 أبريل وفق الجدول المعلن لاجتماعات 2026.

 

المشكلة الأكبر أن البنك المركزي كان قد خفض الفائدة عدة مرات منذ أبريل 2025، وكان آخرها في 12 فبراير 2026 حين خفض أسعار العائد الأساسية 100 نقطة أساس لتصل إلى 19% للإيداع و20% للإقراض، بعدما كان قد بدأ دورة الخفض الكبيرة في 17 أبريل 2025 بواقع 225 نقطة أساس، أي أن المؤسسة النقدية كانت تراهن على مسار تهدئة تدريجي للأسعار، لكن الحرب وارتباك السوق أعادا المشهد إلى نقطة الشك، وجعلا أي استمرار في التخفيض محفوفا بمخاطر تدهور إضافي في الجنيه وتغذية موجة غلاء جديدة.

 

مينا رفيق محلل الاقتصاد الكلي في برايم للاستثمار كان أكثر صراحة حين رجح أن يسجل التضخم السنوي في مارس نحو 15%، واعتبر زيادة أسعار الوقود من أهم العوامل الضاغطة حاليا بسبب أثرها المباشر على تكاليف النقل والإنتاج وانعكاسها على أسعار السلع والخدمات خاصة الغذاء، مضيفا أن أسعار النفط العالمية ستظل عاملا حاكما في مسار التضخم المحلي، وأن استمرار عدم اليقين الجيوسياسي قد يبقي الضغوط قائمة حتى لو حدثت تراجعات مؤقتة في النفط، وهي خلاصة تكشف أن المعركة ليست مع رقم شهر واحد بل مع بيئة كاملة غير مستقرة.

 

الحرب الخارجية تفضح هشاشة الداخل لا أكثر

 

السلطات قد تجد في الحرب الإيرانية الإسرائيلية تفسيرا جاهزا للقفزة الأخيرة، لكنه تفسير لا يعفيها من المسؤولية عن هشاشة الداخل، لأن الاقتصاد الذي يهتز بهذه السرعة مع أول موجة خروج أموال أو صعود نفطي هو اقتصاد لم يبن هوامش أمان كافية، والدليل أن الجنيه هبط بقوة مع التخارجات، وأن قرار رفع الوقود جاء سريعا، ثم تحولت التوقعات كلها من خفض محتمل للفائدة إلى حديث جدي عن تثبيت وربما تشديد لاحق إذا استمرت الضغوط، وهذا ليس أثرا عابرا بل كشف حساب قاسيا لسياسات تركت السوق مكشوفة أمام الصدمات.

 

الأرقام العالمية نفسها تشرح لماذا يزداد القلق، فبرنت تجاوز 100 دولار خلال مارس وسط تقلبات حادة، فيما أشار تحليل من رويترز إلى أن غولدمان ساكس رفع توقع متوسط خام برنت في مارس إلى أكثر من 100 دولار بسبب الحرب والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة والاضطرابات في مضيق هرمز، وعندما يجتمع هذا مع عملة ضعيفة ووقود أغلى وخفض سابق للفائدة، فإن البنك المركزي لا يكون أمامه ترف المناورة بل أمام خيار دفاعي صريح، تجميد التيسير مؤقتا إلى أن تتضح الصورة، وربما أكثر من ذلك إذا انفلتت الأسعار مجددا.

 

هكذا يدخل المصريون أبريل وهم لا ينتظرون فقط قرارا جديدا من لجنة السياسة النقدية، بل ينتظرون الإجابة عن سؤال أوسع بكثير، من سيدفع ثمن هذه الجولة الجديدة من الغلاء، لأن الوقائع الحالية تقول إن الإجابة المعتادة تتكرر مرة أخرى، المستهلك أولا، ثم السوق الصغيرة، ثم أي أمل في تهدئة قريبة للأسعار، أما الحديث عن تراجع التضخم أو استقرار الجنيه فيبقى حتى الآن رهانا هشّا تصطدم به الحرب من الخارج ويكشفه الضعف من الداخل.