في وقت تؤكد فيه البيانات الرسمية أن أوضاع الاحتجاز داخل السجون «جيدة وصحية وإنسانية»، تتكشف على أرض الواقع رواية مغايرة تمامًا، ترد عبر استغاثة عاجلة أطلقها معتقلون سياسيون داخل سجن برج العرب بمحافظة الإسكندرية، تتضمن اتهامات خطيرة بارتكاب انتهاكات جسيمة ترقى إلى مستوى المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة، في مخالفة صريحة للدستور والقوانين المحلية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

 

تفتيش النيابة.. وصورة رسمية مغايرة للواقع

 

في التاسع والعشرين من ديسمبر 2025، أجرت النيابة العامة تفتيشًا وفحصًا لسجن برج العرب، أعقبه بيان رسمي نُشر على الصفحة الرسمية للنيابة، أكد أن الأوضاع داخل السجن «جيدة وصحية وإنسانية»، وأن النزلاء يحصلون على حقوقهم وفقًا للقانون.

 

غير أن شهادات موثوقة من داخل السجن، حصلت عليها جهات معنية بحقوق الإنسان، تشير إلى أن ما حدث في اليوم ذاته كان نقيضًا كاملًا لما ورد في البيان الرسمي.

 

إذ أفادت هذه الشهادات بأن إدارة السجن، بقيادة رئيس المباحث الضابط عمرو عمر، وبإشراف مباشر من ضابط بالأمن الوطني يُدعى حمزة المصري، شنت حملة انتقامية واسعة عقب مغادرة وفد النيابة.

 

اقتحامات وضرب ومصادرة للمستلزمات

 

بحسب الشهادات، اقتحمت قوات كبيرة من أفراد الأمن والمخبرين والقوات الخاصة زنازين المعتقلين السياسيين، بمشاركة سجناء جنائيين معروفين بسوء السمعة، حيث تعرض المعتقلون للضرب والتنكيل والإهانة، وتمت مصادرة متعلقاتهم الشخصية ومستلزمات المعيشة الأساسية، في مشهد وصفه ذووهم بـ«الانتقام الجماعي المنهجي».

 

وتؤكد الاستغاثة أن هذه الاقتحامات لم تتوقف عند ذلك اليوم، بل استمرت بشكل متكرر، خاصة خلال ساعات الليل المتأخرة، وفي ظل طقس شتوي قارس، مع تحطيم الزنازين وتخريب المتعلقات الشخصية، في إطار ما يعتبره المعتقلون إجراءات تعسفية تهدف إلى كسرهم نفسيًا ومعنويًا.

 

تغذية فاسدة تهدد الصحة والحياة

 

جانب آخر من الانتهاكات يتعلق بالتدهور الحاد في أوضاع التغذية داخل السجن. حيث يتم، وفق الشهادات، تقديم وجبات غير صالحة للاستهلاك الآدمي، تشمل خبزًا متعفنًا، وخضروات وفاكهة فاسدة، وأغذية تشكل مصدرًا مباشرًا للأمراض.

 

وتشير الاستغاثة إلى واقعة بالغة الخطورة تمثلت في تقديم دجاج فاسد ضمن الوجبات المخصصة للمرضى، في انتهاك صارخ للحق في الصحة والحياة، واستهانة واضحة بأوضاع النزلاء الصحية، خاصة من يعانون أمراضًا مزمنة أو ضعفًا عامًا.

 

حرمان من العلاج ونظام قهري داخل الزنازين

 

ولا تتوقف المعاناة عند الغذاء، إذ يواجه المعتقلون – بحسب ما ورد – تعنتًا شديدًا في الحصول على الرعاية الصحية، وحرمانًا متعمدًا من الأدوية الأساسية والخدمات الطبية الضرورية.

 

وتكشف الشهادات عن فرض نظام قهري داخل السجن، يتم فيه تعيين مسيّرين من السجناء الجنائيين لإدارة احتياجات المعتقلين السياسيين، وإجبارهم على دفع مبالغ مالية كبيرة مقابل أبسط الحقوق، وذلك بعلم إدارة السجن وضباط الأمن الوطني، وتحت سمعهم وبصرهم.

 

معاناة الأهالي.. تفتيش مهين وانتهاكات جسدية

 

الانتهاكات لا تقتصر على المعتقلين وحدهم، بل تمتد إلى أهاليهم خلال الزيارات. إذ تتحدث الاستغاثة عن إفساد متعمد لمحتويات الزيارات، وعمليات تفتيش مهينة وغير إنسانية، خاصة للنساء، تصل – وفق الشهادات – إلى حد التحرش الجنسي على يد مفتشات سيئات السمعة.

 

وتؤكد أسر المعتقلين أن هذه الممارسات تتسبب في حالات بكاء وانهيار نفسي متكرر، وتترك آثارًا نفسية قاسية، لا تقل خطورة عن الانتهاكات التي يتعرض لها ذووهم داخل الزنازين.

 

تكدس غير إنساني وانتشار للأمراض

 

وتشير الشهادات كذلك إلى تكدس شديد داخل الزنازين، يفوق الطاقة الاستيعابية بشكل كبير، ما يؤدي إلى انتشار الأمراض والحشرات، ويجعل ظروف الاحتجاز بعيدة تمامًا عن الحد الأدنى من المعايير الإنسانية المعترف بها دوليًا.

 

مطالب بتحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين

 

وتختتم الاستغاثة بالتأكيد على أن ما يجري داخل سجن برج العرب لا يمكن اعتباره وقائع فردية أو تجاوزات معزولة، بل هو نمط ممنهج من الانتهاكات، يستوجب فتح تحقيق عاجل ومستقل، ومحاسبة جميع المسؤولين عنه دون إفلات من العقاب.

 

وطالبت الاستغاثة بـ: فتح تحقيق فوري ومستقل في جميع الانتهاكات المذكورة، والوقف الفوري لاقتحامات الزنازين وأعمال التنكيل والعقاب الجماعي، وتحسين أوضاع الاحتجاز بما يتوافق مع الدستور وقانون تنظيم السجون والمعايير الدولية، وتوفير تغذية آدمية ورعاية صحية عاجلة، خاصة للمرضى وكبار السن، وضمان معاملة إنسانية للأهالي أثناء الزيارات، ووقف التفتيش المهين والتحرش، والسماح بزيارات مفاجئة من جهات رقابية مستقلة ومنظمات حقوقية.