أعاد تحذير مرصد الأزهر لمكافحة التطرف من تصعيد إسرائيلي مرتقب ضد المصلين الفلسطينيين في المسجد الأقصى خلال شهر رمضان المقبل، تسليط الضوء على سياسة الاحتلال في تحويل المواسم الدينية إلى ساحات توتر وضبط أمنى خانق.

فالاستعدادات التي ناقشتها لجنة الأمن القومي في الكنيست، برئاسة المتطرف تسفيكا فوجل، لا تعكس مجرد ترتيبات «حفظ نظام»، بل تحمل ملامح خطة شاملة لخنق الحياة الدينية في القدس والضفة الغربية، وفرض وقائع جديدة على واحد من أقدس مقدسات المسلمين.

 

قيود مشددة على الأعمار والأعداد.. موسم عبادة تحت الحصار

 

بحسب ما نقله مرصد الأزهر، تتركز الخطة الإسرائيلية على فرض قيود صارمة على أعداد المصلين المسموح لهم بدخول المسجد الأقصى، بالتوازي مع تحديد فئات عمرية مسموح لها بالوصول، في استنساخ معزَّز لما دأب الاحتلال على تطبيقه فى المواسم السابقة.

الجديد هذه المرة – كما يشير المرصد – هو الجمع بين التشديد العددى والعمرى من جهة، والتصعيد الأمنى المباشر من جهة أخرى، عبر حملات اعتقال استباقية تستهدف من تصفهم سلطات الاحتلال بـ«المحرضين».

 

ولا تقف الخطة عند حدود البوابات والحواجز، بل تمتد إلى الفضاء الرقمى؛ إذ تعتزم سلطات الاحتلال تفعيل غرف مراقبة متخصصة لوسائل التواصل الاجتماعي، بهدف ملاحقة أى نشاط إلكتروني داعم للأقصى أو رافض لإجراءات الاحتلال. بهذا تتحول ممارسة العبادة، أو حتى التضامن معها، إلى سلوك تحت الرقابة والعقاب.

 

هذه القيود تعنى عمليًا حرمان عشرات الآلاف من الفلسطينيين، خصوصًا من الضفة الغربية والقدس المحيطة، من حقهم الطبيعى فى إحياء ليالى رمضان فى رحاب المسجد الأقصى، وتحويل الوصول إلى المكان المقدس إلى «امتياز أمنى» تمنحه إسرائيل لمن تشاء وتمنعه عمن تشاء.

 

منع للرموز والطقوس.. محاولة لتجريد رمضان من معناه الوطني والديني

 

تحذير مرصد الأزهر لم يتوقف عند الحواجز العسكرية، بل امتد إلى البعد الرمزي لما تخطط له سلطات الاحتلال.

فبحسب البيان، تشمل الإجراءات المتوقعة منع أى مظاهر احتفالية أو رمزية فلسطينية داخل القدس، تحت ذريعة منع الفلسطينيين من تحقيق «نصر سياسى» خلال الشهر الفضيل.

 

هذا يعنى ملاحقة الأعلام الفلسطينية والشعارات والزينات، بل وربما الأنشطة الاجتماعية والثقافية المرتبطة برمضان، فى إطار سياسة منهجية تستهدف تفريغ المدينة من هويتها العربية والإسلامية.

وبذلك يتكامل دور الشرطة وجيش الاحتلال فى تشديد القبضة الأمنية، ليس فقط داخل البلدة القديمة وحول الأقصى، بل فى عموم أرجاء القدس والضفة قبل وخلال الشهر الكريم.

 

ويؤكد المرصد أن هذه الممارسات لا يمكن فصلها عن سياسة العقاب الجماعى التى ينتهجها الاحتلال منذ سنوات، والتى تصاعدت حدتها مع اندلاع العدوان على قطاع غزة؛ إذ شهدت القدس والمسجد الأقصى تضييقًا غير مسبوق، سواء عبر منع المصلين من الوصول، أو اقتحامات المستوطنين، أو الاعتداءات المتكررة على المرابطين والمرابطات.

وفى محطات سابقة، أدت هذه السياسات إلى اندلاع مواجهات عنيفة بسبب إصرار سلطات الاحتلال على منع مئات الآلاف من الفلسطينيين من دخول المسجد فى أكثر أيام رمضان قدسية.

 

بين تحذير الأزهر وانفجار محتمل.. الأقصى ساحة اختبار جديدة للاحتلال

 

من هذا المنطلق، يحذر مرصد الأزهر من أن تقييد حرية العبادة فى المسجد الأقصى يشكل خرقًا فاضحًا للقوانين والمواثيق الدولية التى تكفل حرية ممارسة الشعائر الدينية، ويضع إسرائيل مجددًا فى موضع الدولة التى تدير مقدسات الآخرين بمنطق القوة العسكرية لا بمنطق القانون والاحترام المتبادل.

ويشدد المرصد على أن الأقصى مكان عبادة خالص للمسلمين، وأن إخضاعه لإجراءات استثنائية على أساس دينى، وربط الدخول إليه بمعايير أمنية متشددة، يندرج ضمن سياسة ممنهجة لاستفزاز مشاعر المسلمين حول العالم، وفرض سيادة الأمر الواقع فى الحرم القدسى.

 

فى ضوء ذلك، يبدو رمضان القادم مرشحًا لأن يكون أحد أكثر المواسم توترًا فى تاريخ الأقصى الحديث؛ فالمسجد محاط بعدوان مستمر على غزة، وبتصعيد استيطانى فى الضفة، وبمحاولات دءوبة لتكريس التقسيم الزمانى والمكانى. وأى خطوة إضافية لخنق المصلين أو قمع الفعاليات الدينية قد تشعل شرارة انفجار دينى وسياسى يتجاوز حدود القدس، فى منطقة تغلي أصلًا بالاحتقان.

 

وبينما يرفع مرصد الأزهر صوته محذرًا، تبقى الأنظار معلّقة بما سيفعله الاحتلال على الأرض، وبقدرة الفلسطينيين والعالم الإسلامى على تحويل هذا التحذير إلى ضغط سياسى وقانونى يوقف المسار التصعيدى قبل أن تتحول ليالى الشهر الفضيل من موسم للسكينة والعبادة إلى مشهد جديد من الدم والغاز والقنابل فى ساحات المسجد الأقصى.