يواصل عمال شركة السكر والصناعات التكاملية احتجاجاتهم الجماعية فى تسعة مصانع لليوم السادس على التوالى، مطالبين برفع الأجور والبدلات والأرباح السنوية وتثبيت المؤقتين، فى مواجهة تعنت إدارة الشركة وصمت وزارة التموين والقابضة للصناعات الغذائية.

 

الاحتجاجات التى اندلعت فى 10 يناير الجارى تتزامن مع اقتراب موسم الإنتاج فى النصف الثانى من يناير، ما يعنى أن واحدًا من أهم القطاعات الصناعية والغذائية فى البلد مهدد بالشلل، بينما الإدارة تتعامل مع الأزمة وكأنها «مجرد زوبعة عابرة» يمكن احتواؤها بالوعود أو ببعض الفتات.

 

ستة أيام غضب فى 9 مصانع.. عمال يرفضون الفتات ووزارة «تلف وتدور»

 

من إدفو وكوم أمبو فى أسوان، إلى دشنا ونجع حمادى فى قنا، مرورًا بمصانع المعدات والتكرير وفينوس والكيماويات والتقطير وقطاع النقل بمجمع الحوامدية، خرجت مسيرات العمال داخل المصانع بهتافات مباشرة:

 

- «واحد اتنين.. فلوسنا راحت فين»،

 

- و«ارحل ارحل يا صلاح.. خلي العمال ترتاح»،

 

فى إشارة صريحة لمطلب إقالة صلاح فتحى الرئيس التنفيذى لشركة السكر والصناعات التكاملية، الذى يتهمه العمال بالتعسف ومطاردة كل من يرفع صوته للمطالبة بحقه.

 

العمال أعلنوا بوضوح رفضهم لقرارات وزير التموين الأخيرة، التى حاولت تهدئة الغضب برفع الأرباح من 42 شهرًا إلى 45 شهرًا، وزيادة بدل الوجبة من 1000 إلى 1500 جنيه، وزيادة الحافز بنسبة 25% فقط. بالنسبة للعمال، هذه القرارات بعيدة تمامًا عن حجم الغلاء والتضخم، ولا تقترب من الحد الأدنى لحياة كريمة.

 

مطالبهم واضحة ومكتوبة:

 

- تطبيق الحد الأدنى للأجور بأثر رجعى.

 

- رفع الحافز الشهرى إلى 350%.

 

- زيادة الأرباح السنوية إلى 60 شهرًا.

 

- رفع بدل الوجبة إلى 1800 جنيه، والبدل النقدى إلى 1500 جنيه.

 

- ضم علاوتى 2017 و2018.

 

- تثبيت العمال المؤقتين، وتسوية أوضاع الحاصلين على مؤهلات أعلى أثناء الخدمة.

 

- عودة إسهام الشركة فى علاج أسر العاملين بنسبة 50% من التكلفة، دون حد أقصى، كما كان معمولًا به سابقًا.

 

فى الخلفية، يسود غضب إضافى بسبب التكتم على اجتماع الجمعية العمومية للشركة؛ فبعد إعلان انعقاده يومى السبت والأحد 17 و18 يناير، عادت الإدارة لتعلن تبكير الموعد إلى الخميس 15 يناير، بينما يؤكد العمال أنهم لا يعلمون يقينًا إن كان الاجتماع قد انعقد من الأساس أم لا، فى مشهد يلخص غياب الشفافية و«إدارة الظهر» للقاعدة العمالية.

 

تعسف إدارى ومحاولات انتحار.. صلاح فتحى فى مرمى الاتهام

 

الغضب من رئيس الشركة ليس وليد اللحظة. فوفق شهادات عمالية سابقة، مارس صلاح فتحى سلسلة من الإجراءات التعسفية ضد العمال الذين شاركوا فى احتجاجات العام الماضى للمطالبة بتحسين أوضاعهم.

 

فى نوفمبر الماضى، كادت الكارثة تقع فى مصنع سكر كوم أمبو بأسوان، حين حاول عامل الانتحار بإلقاء نفسه من أعلى إحدى المراجل، بعد نقله تعسفيًا إلى مجمع الحوامدية بالجيزة بقرار من فتحى، فقط لأنه تجرأ وسأل عن سبب عدم تنفيذ وعد بزيادة الرواتب. زملاؤه أنقذوه فى اللحظة الأخيرة، لكن الواقعة ظلت شاهدًا على درجة الاحتقان داخل الصفوف.

 

لم يقف الأمر عند هذا الحد؛ فتحى أصدر قرارات بنقل خمسة عمال آخرين من مصنعى إدفو وكوم أمبو إلى الحوامدية، وقرارات بتسريح أكثر من 40 عاملًا مؤقتًا من مصنع الخشب الحبيبى التابع لسكر كوم أمبو، عقابًا لهم على مشاركتهم فى إضراب سبتمبر الماضى.

 

اليوم، يرد العمال عمليًا على هذا النهج؛ فعمال الصيانة فى مصانع دشنا ونجع حمادى وإدفو أوقفوا تمامًا أعمال الصيانة استعدادًا لموسم الإنتاج، فى رسالة لا تحتمل التأويل: لا إنتاج بلا عدالة، ولا موسم ناجح مع إدارة تصر على معاقبة من يطالب بحقه بدلًا من مكافأته.

 

الاحتجاجات الحالية ليست الأولى؛ فى أغسطس وسبتمبر من العام الماضى، شهدت مصانع الشركة موجة إضرابات استمرت أكثر من ثلاثة أسابيع، بدأت من إدفو وكوم أمبو، ثم امتدت إلى أرمنت بالأقصر ودشنا بقنا، ثم مصنع المعدات بالحوامدية، قبل أن تنتهى تحت ضغط إدارى وأمنى، بعد وعود لم تُنفذ بالكامل، وهو ما يفسر إصرار العمال هذه المرة على الاستمرار حتى تحقيق مطالب ملموسة.

 

44 مليار جنيه إيرادات.. فأين نصيب العمال من «العسل»؟

 

المفارقة الفجة أن هذه الاحتجاجات تأتى بينما تتباهى الإدارة بأرقام «قياسية» فى الإيرادات؛ فقد حققت شركة السكر والصناعات التكاملية فى 2025 إيرادات بلغت 44 مليار جنيه، مقارنة بـ33 مليار جنيه فى 2024، ويتوقع الرئيس التنفيذى أن تصل إلى 50 مليار جنيه العام المقبل.

 

ورغم هذه الأرقام، يكرر هو ورئيس القابضة للصناعات الغذائية الادعاء بأن مصانعهم «لا تحقق مكاسب»، وأن الفضل يعود أساسًا لمصانع سكر البنجر، وفق ما نقله عمال من مصانع سكر القصب لـ«المنصة»، مؤكدين أن هذا الكلام غير صحيح.

 

العمال يشرحون المعادلة ببساطة: منذ أن آلت تبعية القابضة للصناعات الغذائية والشركات التابعة لها إلى وزارة التموين عام 2014، تقوم الوزارة بـ«السطو على الإنتاج» بشراء السكر بسعر 12 جنيهًا فقط للكيلو، أى أقل من قيمته السوقية، ما يبدد أرباح مصانع القصب على الورق، بينما تتحمل المصانع أجورًا وطاقة وصيانة دون أن يظهر ذلك كعائد عادل فى دفاترها.

 

شركة السكر والصناعات التكاملية، التى تأسست عام 1956 وتملك ثمانية مصانع للسكر فى الصعيد (أبو قرقاص، جرجا، نجع حمادى، دشنا، قوص، أرمنت، إدفو، كوم أمبو) إضافة لمجمع الحوامدية الصناعى، ليست «ورشة صغيرة» يمكن اللعب بمصيرها بسهولة؛ إنها عمود فقري للأمن الغذائى وفرص العمل فى الصعيد. ومع ذلك، يُعامل عمالها كعبء يجب كتم أنفاسه، لا كعمود يقوم عليه القطاع كله.

 

ما يجرى اليوم فى مصانع السكر رسالة تتجاوز حدود الشركة: إذا كانت منشأة بهذا الحجم وهذه الأرقام لا توفى عمالها حقهم، وترد على احتجاجاتهم بالنقل والتسريح والتعسف، فماذا عن غيرها من المصانع الأقل شهرة وتأثيرًا؟

 

فى مواجهة هذا الواقع، يضع العمال سؤالًا بسيطًا أمام وزارة التموين وحكومة الانقلاب: كيف تطلبون منّا أن نُخرج موسمًا ناجحًا وأنتم لا تعترفون بحقنا فى نصيب عادل من العسل الذى نصنعه بأيدينا؟
وحتى تُجاب هذه الأسئلة بالفعل لا بالكلام، يبدو أن هتاف:

 

«واحد اتنين.. فلوسنا راحت فين»

 

سيظل يتردّد طويلاً فى ساحات مصانع السكر، ومعه مستقبل موسم إنتاج كامل على المحك.