منذ عام 2023، تعيش مناطق العلمين وسيدي عبد الرحمن والضبعة، واحدة من أخطر الأزمات الزراعية في تاريخها الحديث. آلاف الأفدنة بارت، الماشية نفقت، ومحاصيل كاملة ضاعت، بعد إغلاق ترعة الشيخ زايد، شريان الحياة لأكثر من 40 ألف فدان من الأراضي المستصلحة، الممتدة على طول يزيد على 50 كيلومترًا.
الأزمة لم تعد مجرد نقص مياه، بل تحولت إلى مأساة اقتصادية واجتماعية دفعت كثيرًا من المزارعين إلى بيع أراضيهم قهرًا، في ظل صمت تنفيذي واستغاثات بلا استجابة.
ورغم أن الأزمة مستمرة منذ أكثر من عامين، فإنها تفاقمت بشكل حاد بعد فبراير 2025، حين انقطعت المياه تمامًا عن الترعة، في وقت تشهد فيه البلاد فيضانات موسمية وتُصرف كميات هائلة من مياه النيل إلى البحر. هذا التناقض الصارخ فجّر غضب المزارعين، وفتح الباب لسؤال لا يزال بلا إجابة: لماذا تُغلق ترعة كلّفت الدولة مليارات، وتُترك أراضٍ منتجة تموت عطشًا؟
استغاثات بلا رد: “الترعة مقفولة بقرار مخالف”
أحد أبرز الأصوات التي وثّقت الأزمة كان المهندس الزراعي منير الجمال، الذي كتب عبر صفحة الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية على فيسبوك استغاثة واضحة وصريحة. الجمال طالب بإعادة فتح ترعة الشيخ زايد، مؤكدًا أن إغلاقها مخالف لقرار رئيس الجمهورية رقم 341 لسنة 2014، وهو القرار الذي ينظم المقنن المائي المخصص لهذه الأراضي.
لم يكتفِ الجمال بالنداء، بل طرح سؤالًا غاضبًا يعكس حجم المفارقة: كيف تُفتح فروع النيل على البحر في ظل فيضانات، بينما تُغلق ترعة استراتيجية تمتد لأكثر من 50 كيلومترًا، ما أدى إلى إعدام محاصيل كاملة وخسائر بملايين الجنيهات؟ ثم كرر استغاثته بلغة موجعة: “أغيثونا يرحمكم الله.. تم قطع المياه عن ترعة الشيخ زايد منذ فبراير الماضي”.
رابط الاستغاثة:
خبراء الموارد المائية يرون أن تجاهل هذه الاستغاثات يعكس خللًا إداريًا جسيمًا، لأن استمرار الإغلاق رغم وضوح المخالفة القانونية يضع الجهات المسؤولة في مواجهة مباشرة مع نص قرار جمهوري نافذ، لا مع شكوى فردية.
تحركات برلمانية… ونتائج على الأرض صفر
مع تصاعد الغضب، وصلت الأزمة إلى البرلمان. الصحفي هشام محمد يسري نشر عبر منصة “أخبار بنها مباشر” أن معاناة المزارعين بلغت مرحلة غير مسبوقة، وأن تدخل النواب أعاد بعض الأمل في حل الأزمة.
رابط المنشور:
في أكتوبر 2025، زار النائب محمد دخيل الجراري والنائبة تيسير محمود دهيم مناطق العلمين وسيدي عبد الرحمن والضبعة، واستمعا لشكاوى الأهالي، ونقلا مطالبهم إلى محافظ مطروح خالد شعيب. المطالب كانت واضحة: إعادة فتح الترعة فورًا، إزالة السد المانع لوصول المياه، وتعويض المزارعين عن الخسائر.
المحافظ وعد بالتنسيق مع وزارة الموارد المائية والري وهيئة التعمير والتنمية الزراعية لإعادة المقنن المائي، واستمرار التواصل لمتابعة الأزمة. لكن حتى نهاية 2025، لم تظهر أي نتائج عملية. لا مياه عادت، ولا تعويضات صُرفت، ولا سد أُزيل. خبراء الإدارة المحلية يرون أن هذه الزيارات، رغم أهميتها السياسية، تحولت إلى إجراء شكلي غير كافٍ لإنقاذ أراضٍ تموت يومًا بعد يوم.
أمن غذائي في مهب الريح: من الزراعة إلى العمران
الاستغاثات تكشف جوهر الأزمة: المزارعون يمتلكون أكثر من 40 ألف فدان بموجب قرارات وزارية وقوانين استصلاح رسمية، واستثمروا فيها أموالهم وجهودهم منذ سنوات، في إطار دعم الأمن الغذائي والاقتصاد القومي. لكن منذ 2023، مُنع وصول المقنن المائي المقرر بموجب القرار الجمهوري 341 لسنة 2014، بعد بناء سد من قِبل إدارة ري الناصرية دون سند قانوني، وفق ما تؤكده الشكاوى.
النتائج كانت كارثية: بوار آلاف الأفدنة، نفوق المحاصيل والماشية، وخسائر اقتصادية فادحة دفعت بعض المزارعين إلى بيع أراضيهم بأبخس الأثمان. الأخطر أن هيئة التعمير والتنمية الزراعية أكدت رسميًا وجود مقنن مائي معتمد لهذه الأراضي، ومع ذلك استمر التعنت الإداري.
رابط توثيقي:
خبراء الاقتصاد الزراعي يحذرون من أن الأزمة لم تعد محلية. فهناك حديث عن تهديد أكثر من 57 ألف فدان بالبوار، وتحويل أراضٍ زراعية إلى مشروعات عمرانية وسياحية، ما يعني ضربة مباشرة للأمن الغذائي.
فيديو توثيقي للأزمة:
تقارير تشير إلى أن ترعة الشيخ زايد، وهي جزء من مشروع توشكى بطول يزيد على 50 كيلومترًا، أُنشئت لنقل مياه النيل إلى أراضي الساحل الشمالي، لكن انقطاع المياه منذ فبراير 2025 أثّر حتى على محطات مياه الشرب بالمنطقة.
أكاديميًا، حذر كمال الناحل من أن غلق الترعة يهدد الأمن الغذائي ويحوّل الأراضي إلى عمران فاخر، وهو تحذير شاركه فيه أساتذة كلية الزراعة بجامعة الإسكندرية ومتخصصون في استصلاح أراضي الساحل الشمالي.
في المحصلة، ما يحدث في العلمين والضبعة وسيدي عبد الرحمن ليس أزمة ري عابرة، بل نموذج صارخ لكيف يمكن لقرار إداري مخالف أن يدمّر استثمارات، ويقضي على أراضٍ منتجة، ويدفع بلدًا يعاني أصلًا من فجوة غذائية إلى مزيد من الاعتماد على الاستيراد.
والسؤال الذي يطرحه المزارعون حتى اليوم: إلى متى تظل الترعة مغلقة، والأرض عطشانة، والقرار الجمهوري حبرًا على ورق؟

