في مشهد يعكس تصاعد الانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز، تحوّل الإهمال الطبي إلى أداة عقاب ممنهجة تُهدد حياة المعتقلين السياسيين المرضى، وسط تجاهل صارخ للحق في العلاج والرعاية الصحية، وضرب عرض الحائط بالدستور والمواثيق الدولية الملزمة للدولة.
ثمانية أشهر كاملة من الانتظار القاتل تفصل بين الحياة والموت، يعيشها معتقل سياسي مصاب بورم في البنكرياس، دون تشخيص حاسم أو تدخل طبي عاجل، في واحدة من أخطر حالات الحرمان المتعمد من العلاج التي تم توثيقها مؤخرًا.
الإهمال الطبي.. سياسة لا واقعة فردية
تؤكد منظمات حقوقية أن ما يجري داخل السجون لا يمكن اعتباره أخطاءً إدارية أو تقصيرًا عابرًا، بل سياسة ممنهجة تقوم على تعطيل الفحوصات الطبية وتأخير العلاج، وترك المرضى فريسة للألم والتدهور الصحي داخل بيئة احتجاز تفتقر لأبسط المعايير الإنسانية.
هذه الممارسات لا تنتهك فقط الحق في الصحة، بل تمس جوهر الحق في الحياة، وقد ترقى – وفق توصيفات قانونية دولية – إلى مستوى المعاملة القاسية واللاإنسانية أو التعذيب بالإهمال الطبي.
حالة الدكتور علي عبد العزيز.. المرض في مواجهة القيود
في قلب هذه الصورة القاتمة، توثق الشبكة المصرية معاناة الدكتور علي عبد العزيز علي، المحبوس احتياطيًا منذ الأول من يناير 2024 على ذمة القضية رقم 1739 لسنة 2024 حصر أمن دولة عليا، على خلفية منشورات ذات طابع سياسي توقع فيها ارتفاع سعر الدولار إلى 50 جنيهًا، وهو ما تحقق لاحقًا.
نُقل الدكتور علي إلى سجن ليمان 2 أبو زعبل، حيث بدأت رحلة معاناة مضاعفة، بعد تشخيصه بورم في البنكرياس، أحد أخطر الأورام التي تستلزم تدخلًا طبيًا سريعًا ودقيقًا.
تحذير طبي واضح.. وتأخير قاتل
في الرابع من مايو من العام الماضي، أوصى الطبيب المعالج بضرورة الإسراع في إجراء منظار تشخيصي عاجل لتحديد طبيعة الورم ومدى خطورته، تمهيدًا لاتخاذ القرار العلاجي المناسب.
الطبيب حذّر صراحة من العواقب الوخيمة لأي تأخير، خاصة مع الاشتباه في كونه ورمًا وظيفيًا يفرز الإنسولين بشكل غير منتظم، وهو ما قد يؤدي إلى نوبات هبوط حاد في السكر، وفقدان الوعي، وربما الوفاة.
ورغم هذا التحذير الصريح، ورغم التأكيد الطبي بعدم توافر الإمكانيات والأجهزة اللازمة داخل مستشفى السجن، والحاجة الماسة لنقله إلى مستشفى متخصص، وعلى رأسها مستشفى المنيل الجامعي، لا يزال الدكتور علي محرومًا من إجراء المنظار حتى اليوم، بعد مرور أكثر من ثمانية أشهر من الانتظار والمعاناة.
مواعيد تُفشل عمدًا
خلال هذه الفترة، تم تحديد عدة مواعيد رسمية لإجراء المنظار، إلا أن جميعها باءت بالفشل، في نمط متكرر يعكس تعمد تعطيل العلاج.
ووفقًا لما تم توثيقه، فإن إفشال المواعيد تم عبر:
- تعمد تأخير سيارة الترحيلات حتى فوات الموعد المحدد.
- الوصول إلى المستشفى بعد انتهاء مواعيد عمل وحدة مناظير الجهاز الهضمي والكبد.
- إلغاء المواعيد دون تقديم أي مبرر طبي أو إداري مشروع.
هذا التعطيل المتكرر حوّل الإجراءات الطبية إلى حلقة مفرغة من الروتين والأمن، تُهدر فيها صحة المريض ووقته، بينما يتدهور وضعه الصحي بشكل متسارع.
تدهور خطير وغياب أي تدخل
حتى اللحظة، لا تزال الأزمة الصحية للدكتور علي عبد العزيز بلا حل. حالته تشهد تدهورًا خطيرًا، مع تعرضه لنوبات متكررة من هبوط السكر، والدخول في حالات إغماء وغيبوبة، نتيجة الإفراز المستمر للإنسولين من الورم، في ظل غياب أي تدخل علاجي جاد، أو حتى تشخيص نهائي يحدد مسار العلاج.
مسؤوليات قانونية وأخلاقية
تحمّل الشبكة المصرية مصلحة السجون المسؤولية الكاملة عن هذا التأخير المتعمد، نتيجة عدم التزامها بتنفيذ مأموريات الترحيل في المواعيد المحددة.
كما تُحمّل الإدارة المسؤولة عن وحدة المناظير جزءًا من المسؤولية، بسبب خضوعها لاعتبارات أمنية على حساب الضرورات الطبية العاجلة، دون مراعاة الخطر الداهم الذي يهدد حياة المريض.
نموذج متكرر لانتهاك ممنهج
تؤكد المنظمات الحقوقية أن ما يتعرض له الدكتور علي ليس حالة استثنائية، بل نموذجًا متكررًا لما يواجهه المرضى من المعتقلين السياسيين داخل السجون المصرية، حيث يُحرمون من الحد الأدنى من الرعاية الصحية، في ظل افتقار مستشفيات السجون للتجهيزات والتخصصات الطبية اللازمة.
هذه الممارسات تمثل انتهاكًا جسيمًا للحق في الصحة، وتتعارض بوضوح مع الدستور المصري، وقواعد نيلسون مانديلا لمعاملة السجناء، والمواثيق الدولية التي تُلزم الدولة بتوفير الرعاية الطبية دون تمييز.
مطالب عاجلة لإنقاذ الحياة
في هذا السياق، طالب مركز الشهاب لحقوق الإنسان النائب العام بالتدخل الفوري، واتخاذ إجراءات عاجلة للحفاظ على حياة الدكتور علي عبد العزيز، مع التنبيه على مصلحة السجون بضرورة نقله بانتظام إلى جهة علاجه، وتمكينه من إجراء الفحوصات اللازمة دون عوائق أمنية أو إدارية.

