في مثل هذه الأيام من كل عام، تعود قضية سليمان خاطر إلى الواجهة، لا بوصفها واقعة تاريخية منتهية، بل كملف ثقيل لم تُحسم أسئلته الأساسية بعد. فالقضية لا تتعلق فقط بجندي أطلق النار على متسللين إلى منطقة عسكرية، ولا بنهاية غامضة داخل زنزانة، بل بسياق سياسي وأمني كامل، اختُبرت فيه حدود السيادة، ومعنى الواجب، وثمن الموقف في دولة كانت تعيد ترتيب علاقتها مع عدو الأمس.
النشأة والخدمة العسكرية… جندي عادي في زمن استثنائي
وُلد سليمان خاطر أحمد سليمان عام 1961 في قرية أكياد البحرية بمحافظة الشرقية، في أسرة ريفية بسيطة. لم يكن منتمياً إلى تنظيم سياسي، ولا معروفًا بنشاط أيديولوجي، بل كان شابًا عاديًا التحق بالخدمة العسكرية الإلزامية كغيره من آلاف الشباب المصريين.
جاءت خدمته العسكرية في فترة شديدة الحساسية، بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، وما تبعها من ترتيبات أمنية جديدة في سيناء، فرضت واقعًا معقدًا على الجنود المصريين، خاصة في المناطق الحدودية. فقد كان مطلوبًا من الجندي أن يحرس الأرض، وفي الوقت ذاته أن يتحرك ضمن قيود سياسية وأمنية صارمة، كثيرًا ما بدت متناقضة مع طبيعة التدريب العسكري التقليدي.
نُقل سليمان خاطر إلى نقطة حراسة في منطقة رأس برقة جنوب سيناء، وهي منطقة عسكرية محظورة، ومُكلف فيها بمنع أي اختراق أو اقتراب غير مصرح به، وفق التعليمات العسكرية المعلنة آنذاك.
حادثة رأس برقة… الوقائع كما جرت على الأرض
في مساء 5 أكتوبر/تشرين الأول 1985، وأثناء نوبة حراسة ليلية، شاهد سليمان خاطر مجموعة من السياح الإسرائيليين، بينهم عسكريون احتياط، يتجاوزون التحذيرات ويدخلون نطاق المنطقة العسكرية المحظورة.
بحسب ما ورد في التحقيقات الرسمية وشهادات لاحقة، أطلق الجندي المصري طلقات تحذيرية في الهواء، وهو الإجراء المتبع في مثل هذه الحالات، إلا أن المجموعة لم تستجب واستمرت في التقدم.
عند هذه النقطة، أطلق سليمان خاطر النار مباشرة باتجاههم. أسفر الحادث عن:
- مقتل 7 إسرائيليين
- إصابة آخرين بجروح متفاوتة
الواقعة، من الناحية العسكرية البحتة، كانت حادث إطلاق نار داخل منطقة عسكرية مغلقة، إلا أن أبعادها السياسية جعلتها تخرج سريعًا من إطارها الطبيعي. إسرائيل اعتبرت الحادث “هجومًا متعمدًا”، بينما وجدت الدولة المصرية نفسها أمام اختبار صعب: كيف تحافظ على التزاماتها السياسية الجديدة دون أن تبدو متساهلة في ملف السيادة؟
المحاكمة والحكم… حين تحوّل الجندي إلى عبء سياسي
أُحيل سليمان خاطر إلى محكمة عسكرية في إجراءات سريعة نسبيًا. وُجهت له تهمة القتل العمد، دون الأخذ بشكل جاد في الاعتبار كونه جندي حراسة في منطقة عسكرية، أو طبيعة الأوامر التي كان مكلفًا بتنفيذها.
صدر الحكم بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة.
الحكم أثار في حينه موجة غضب وتعاطف شعبي، إذ رأى كثيرون أنه:
- جاء لامتصاص الغضب الإسرائيلي
- وقدّم الجندي ككبش فداء سياسي
- وتجاهل السياق العسكري للواقعة
لم تُتح فرصة حقيقية لنقاش علني حول قواعد الاشتباك، ولا حول مسؤولية القيادة العسكرية في توضيح التعليمات، بل انصبّ التركيز كله على إغلاق الملف سياسيًا بأسرع وقت.
الموت الغامض في السجن… انتحار أم تصفية؟
في 7 يناير 1986، وبعد أقل من ثلاثة أشهر على صدور الحكم، أعلنت السلطات وفاة سليمان خاطر داخل زنزانته في السجن الحربي، وقالت إنه انتحر شنقًا.
لكن هذه الرواية الرسمية قوبلت منذ اللحظة الأولى بتشكيك واسع، لأسباب عدة:
- كان محتجزًا في زنزانة انفرادية وتحت رقابة مشددة
- لم يُعرف عنه اضطراب نفسي أو نية مسبقة للانتحار
- تحدثت أسرته عن آثار ضرب وكدمات على جسده
- لم يُسمح بتشريح مستقل أو تحقيق قضائي شفاف
بسبب هذه الملابسات، ترسخ لدى قطاعات واسعة من الرأي العام اعتقاد بأن سليمان خاطر قُتل داخل محبسه، وأن إعلان الانتحار كان وسيلة لإغلاق الملف نهائيًا ومنع تحوله إلى قضية سياسية أكبر.
لماذا أصبح سليمان خاطر رمزًا؟
لم يكن سليمان خاطر بطلاً أسطوريًا، ولم يسعَ إلى صناعة مجد شخصي. لكنه تحوّل إلى رمز لعدة أسباب متراكبة:
- لأنه جندي بسيط واجه موقفًا أكبر من قدرته الفردية
- لأنه دُفع ثمنًا لتناقض بين السياسة والواجب العسكري
- لأن موته جاء غامضًا، بلا تحقيق مقنع
- ولأن قضيته لامست سؤال الكرامة والسيادة في لحظة حساسة
ما ميّزه تحديدًا هو بساطة موقفه. لم يقل سوى جملة واحدة تقريبًا خلال التحقيقات:
“كنت أنفذ التعليمات وأحمي موقعي.”
هذه الجملة اختصرت المأزق كله.
خاتمة: حاجة الأمة إلى المعنى لا إلى المأساة
حين يُطرح اسم سليمان خاطر اليوم، لا ينبغي استدعاؤه بوصفه دعوة للعنف، ولا لتأجيج الصراعات، بل كتذكير بمعنى غائب: أن هناك أرضًا وحدودًا وكرامة، وأن هذه المفاهيم لا يمكن دائمًا تسويتها بقرارات سياسية.
قضية سليمان خاطر تقول إن الدول قد تغيّر رواياتها، لكن الذاكرة الشعبية لا تنسى ما تعتبره ظلمًا. وتقول أيضًا إن الجندي الذي يقف على الحدّ الفاصل بين السياسة والبندقية قد يدفع الثمن وحده، إذا لم تكن هناك دولة مستعدة لتحمّل مسؤولية قراراتها.
بعد ما يقرب من أربعة عقود، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل كان سليمان خاطر مخطئًا… أم كان شاهدًا على لحظة لم تتحمّل الشهادة؟
السؤال نفسه، لا الإجابة، هو ما يجعل ذكراه حية حتى اليوم.

