في مشهد يعكس مدى الانهيار التام في البنية التحتية، والفساد العميق المتغلغل في أجهزة الدولة، شهدت قرية نويبة إحدى قرى محافظة أسوان كارثة حقيقية بعد انفجار ماسورة صرف صحي، أدى إلى غرق الشوارع وتحولها إلى مستنقعات من المياه القذرة، وسط غياب كامل للمسؤولين، وتجاهل فاضح من سلطات الحكم العسكري التي لا ترى في المواطنين سوى أرقام هامشية لا تستحق الحياة الكريمة.
الواقعة، التي وثقتها عدسات المواطنين في فيديو تم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تكشف عن حجم الكارثة التي تعانيها مناطق الصعيد المهمشة منذ عقود، لكن تفاقمت المأساة بشكل غير مسبوق تحت حكم الانقلاب الذي لا يهتم إلا ببناء القصور الرئاسية وتلميع صورة النظام على حساب آلام الشعب.
ما حدث في أسوان ليس مجرد "حادث عرضي"، بل نتيجة حتمية لسنوات من الإهمال والتقاعس وسرقة ميزانيات التنمية التي يُفترض أن تذهب إلى إصلاح شبكات المياه والصرف الصحي المتهالكة. كيف لدولة تصرف المليارات على المؤتمرات والمشاريع الاستعراضية أن تعجز عن صيانة شبكة صرف صحي في قرية فقيرة؟ الإجابة واضحة: الأولوية ليست للمواطن، بل لبقاء النظام وتجميل صورته أمام الخارج.
السكان أكدوا أن الشكاوى تكررت أكثر من مرة حول سوء حالة خطوط الصرف، لكن لا حياة لمن تنادي. المؤسسات المحلية التابعة للدولة أصبحت مجرد هياكل بيروقراطية عاجزة، لا تقوم بأي دور خدمي فعّال، بل تكتفي بجمع الرسوم والضرائب، في حين يُترك المواطن يواجه مصيره تحت طوفان المجاري.
غياب الدولة الحقيقي... وحضورها الأمني فقط
من المثير للسخرية أن الدولة التي تستعرض عضلاتها الأمنية ليل نهار، وتلاحق الشباب بسبب منشورات على فيسبوك، عاجزة عن توفير أبسط حقوق الإنسان: بيئة نظيفة وصرف صحي سليم. الغريب أن المسؤولين، كالعادة، لم يظهروا في المشهد، ولم يصدر أي تعليق رسمي يوضح أسباب الانفجار أو خطط الإصلاح، وكأن الكارثة وقعت في كوكب آخر، لا في جزء من وطنهم المنهوب.
هل تتعامل الحكومة مع أهالي الصعيد كمواطنين من الدرجة الثانية؟ الواقع يقول نعم. فبينما تُغدق الأموال على العاصمة الإدارية الجديدة والمشاريع الفندقية على البحر، يُترك الصعيد بلا خدمات، بلا رعاية صحية حقيقية، وبنية تحتية لا تصلح حتى في عصور ما قبل الدولة الحديثة.
من المعلوم أن شركات الصرف الصحي والمياه في مصر تدار منذ سنوات بنظام المحاباة والولاءات السياسية، لا بالكفاءة أو الرقابة الحقيقية. العقود تُمنح بالأمر المباشر، والأموال تُهدر على الورق، بينما تنفجر الأنابيب القديمة، وتُغرق بيوت البسطاء، وتتحول حياة الناس إلى كابوس.
من يحاسب المسؤولين عن هذا الانفجار؟ من يجرؤ على فتح ملفات الفساد في المحليات؟ الإجابة معروفة: لا أحد. فالدولة التي ترفع شعار "الاستقرار الأمني" تستخدمه ذريعة لقمع الحريات، وتغطي به على فشلها الذريع في تقديم أي إنجاز حقيقي يشعر به المواطن البسيط.
الصعيد... منطقة منكوبة بلا إعلان رسمي
لقد تحولت قرى ومناطق الصعيد إلى ما يشبه "المناطق المنكوبة" بفعل فاعل. الإهمال المتعمد، وانعدام التخطيط، وغياب الرقابة، جعلت من كل بيت في تلك المناطق قنبلة موقوتة تنتظر الكارثة التالية، سواء كانت ماسورة تنفجر، أو مستشفى ينهار، أو طريق يبتلع الضحايا.
بلغة واضحة: ما يجري في أسوان، وفي غيرها من قرى الصعيد، ليس قضاءً وقدرًا، بل نتيجة مباشرة لحكم عسكري لا يؤمن بالمحاسبة، ولا يعترف بحق المواطن في الخدمات الأساسية، ويكتفي بالخطابات الرنانة والشعارات الفارغة.
هل من أمل؟
الأمل الوحيد يكمن في وعي الناس، في توثيق هذه الكوارث، وفي رفع الصوت عاليًا ضد هذا النظام الفاشل. لا بد من محاسبة من تسببوا في غرق الشوارع، ومن أهدروا ميزانيات البنية التحتية، ومن تركوا المواطنين يتنفسون روائح الصرف بدل الهواء النقي.
لقد آن الأوان لأن يعلم العالم أن ما يحدث في مصر ليس "تنمية"، بل تجريف لكل شيء: للحقوق، وللخدمات، وللكرامة الإنسانية. ومشهد الشوارع الغارقة في أسوان ليس سوى مرآة لحقيقة هذا النظام الذي لا يهتم إلا بمصالحه الضيقة، بينما يغرق المواطن في مجاري الفساد والإهمال.

