لم تكن جولة الإعادة في انتخابات مجلس النواب بمحافظة الجيزة مجرد استحقاق انتخابي يُحتكم فيه إلى أصوات الناخبين داخل اللجان، بقدر ما تحولت إلى معركة ميدانية مفتوحة خارج أسوارها، عنوانها الأبرز الحشد وتوجيه الناخبين، وشراء الأصوات، في مشهد أعاد إلى الواجهة أزمات متكررة رافقت العملية الانتخابية منذ انطلاقها.
ففي دائرتي العمرانية والطالبية، وكذلك بولاق الدكرور، بدت المنافسة محتدمة ليس حول البرامج أو الرؤى السياسية، وإنما حول القدرة على السيطرة على الشارع المحيط باللجان، وتوفير وسائل نقل جماعية، وإدارة نقاط تجميع للناخبين، يقف على رأسها سماسرة يعملون لحساب حملات المرشحين، في ظل غياب واضح لأي تنافس سياسي تقليدي.
وتُجرى جولة الإعادة 3 و4 يناير 2026 في 27 دائرة انتخابية أُلغيت نتائجها في المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب، تنفيذًا لأحكام صادرة عن المحكمة الإدارية العليا، موزعة على 10 محافظات، لانتخاب 49 نائبًا يتنافس عليهم 98 مرشحًا، بعد أن شابت الجولة الأولى مخالفات جسيمة أدت إلى إبطال نتائج عدد كبير من الدوائر.
“بورصة” العمرانية.. الصوت بسعر السوق
في دائرة العمرانية والطالبية، التي تُجرى فيها الانتخابات للمرة الثالثة بعد إبطالها مرتين، تحولت المنافسة إلى ما يشبه “بورصة مفتوحة” لشراء الأصوات. أربعة مرشحين يتنافسون على مقعدين اثنين، هم محمود لملوم مرشح حزب حماة وطن وأمين شباب الحزب بالجيزة، والمرشحون المستقلون السيد زغلول، وجرجس لاوندي، ومحمد علي عبد الحميد النائب السابق عن حزب مستقبل وطن، الذي يخوض السباق هذه المرة مستقلًا عقب قرار حزبه عدم الدفع بمرشح على المقعدين.
منذ الساعات الأولى للتصويت، شهدت اللجان الفرعية داخل مجمع مدارس العمرانية، وعلى رأسها لجنة مدرسة أحمد عرابي، إقبالًا ملحوظًا بدا منظمًا أكثر منه عفويًا، حيث رُصدت سيارات أجرة وميكروباصات تتوقف تباعًا لإنزال ناخبين، أغلبهم من النساء، قادمين من نقاط حشد تديرها حملات المرشحين.
أمام اللجنة، وتحديدًا في شارع الزهراء، وثّقت مصادر ميدانية توزيع مبالغ مالية على الناخبين مقابل التصويت، حيث بلغ سعر الصوت الواحد 200 جنيه، يحصل السمسار على 100 جنيه إضافية نظير استقدام الناخب، أو عبر أصحاب محال تجارية في محيط المدرسة، وذلك لصالح حملتي مرشحي حماة وطن والمستقل جرجس لاوندي.
وعلى الجانب الآخر من الدائرة، أكد تجار ومواطنون أن الحملتين الداعمتين للمرشحين السيد زغلول ومحمد علي عبد الحميد اعتمدتا بدورهما على نقاط حشد في شوارع مستشفى الصدر والثلاثيني، مع رفع سعر الصوت إلى 250 جنيهًا في محاولة لجذب أكبر عدد ممكن من الناخبين، في سباق مالي واضح لحسم المعركة.
لجان مختلفة.. المشهد ذاته
لم تختلف الصورة كثيرًا أمام لجنة مدرسة أم المؤمنين الثانوية بنات بالهرم، حيث توقفت نحو عشر سيارات أجرة في الشارع المواجه للمدرسة، في انتظار ناخبين داخل اللجان، جرى استقدامهم مسبقًا من نقاط حشد تابعة لحملات المرشحين الأربعة.
أما لجنة مدرسة الشهيد هشام شتا بشارع الهرم، المجاورة لقسم شرطة الطالبية، فرغم ضعف الإقبال نسبيًا، لم تغب عنها الطوابير المصطنعة، خصوصًا من النساء، حيث جلست أعداد منهن على الرصيف المحاذي لسور المدرسة دون حركة فعلية للدخول أو الخروج، في مشهد بدا أقرب إلى الاستعراض منه إلى ممارسة حق انتخابي.
بولاق الدكرور.. الميكروباصات والتوكتوك في قلب المعركة
في دائرة بولاق الدكرور، تكرر المشهد بصورة لا تقل حدة. ويتنافس على المقعد الوحيد المتبقي في جولة الإعادة حسام المندوه مرشح حزب مستقبل وطن، وعربي زيادة مرشح حزب حماة وطن، بعد أن حُسم المقعدان الآخران في الجولة الأولى لصالح المستقل محمد إسماعيل ومرشح حزب العدل علي خالد خليفة.
ورُصد حشد المئات من الناخبين إلى مدرسة الشيخة جواهر عبر سيارات ميكروباص وتوكتوك، حمل بعضها أوراقًا ولافتات تحمل أرقامًا انتخابية وعبارات دعائية، من بينها “كفر طهرمس تنتخب ابن البلد”، وهو الشعار الذي ترفعه حملة المندوه، مقابل ملصقات أخرى تحمل اسم ورمز المرشح عربي زيادة.
أمام المدرسة، تحولت المقاهي الصغيرة إلى غرف عمليات ميدانية، حيث جلس شباب وفتيات خلف طاولات يجمعون بطاقات المواطنين، ويدونون بياناتهم في كشوف، ويمنحونهم بطاقات ملونة تحمل أرقامًا ورموزًا انتخابية، في مشهد يوحي بتوجيه منظم للناخبين قبل دخولهم اللجان.
“خناقات” على الأبواب وتوجيه علني
داخل مدرسة الشيخة جواهر، تصاعدت حدة التوتر، ووقعت مشادات كلامية بين مندوبي المرشحين، على خلفية توجيه الناخبين ومحاولة كل طرف فرض سيطرته على محيط اللجنة. وتكرر المشهد ذاته أمام بعض اللجان الأخرى، وسط ازدحام طرقات المراكز الانتخابية بمندوبي الحملات.
وتصدر النساء وكبار السن المشهد الانتخابي، في حين غابت اللافتات الدعائية الرسمية أمام بعض المراكز، لتحل محلها أساليب الحشد غير المباشر، من بطاقات وأوراق وإشارات ورموز.
سياق أوسع من المخالفات
تأتي هذه التطورات في ظل سجل حافل بالمخالفات التي شهدتها المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب، والتي انتهت بإلغاء نتائج نحو 68.5% من الدوائر بقرارات من المحكمة الإدارية العليا والهيئة الوطنية للانتخابات، بسبب خروقات شملت شراء الأصوات، وتوجيه الناخبين، وعدم إرسال محاضر فرز بعض اللجان.
ورغم الإقبال المحدود في بعض دوائر الجيزة خلال الإعادة، فإن مشاهد الطوابير المصطنعة تراجعت لتحل محلها محاولات أكثر تنظيمًا للحشد، وهو ما أقرت به الهيئة الوطنية للانتخابات نفسها، بعد تلقي شكاوى متعددة بشأن عمليات شراء أصوات، لا سيما في دائرتي الطالبية والعمرانية.
وبينما يُفترض أن تمثل جولة الإعادة فرصة لتصحيح مسار العملية الانتخابية، كشفت وقائع الجيزة أن المشهد لا يزال أسيرًا لمعادلات المال والحشد، أكثر من كونه ساحة لتنافس سياسي يعكس إرادة الناخبين الحقيقية.

