لم تكن الواقعة التي كشفتها تحقيقات النيابة الإدارية في الغربية مجرد “إهمال إداري” عابر، بل جريمة مكتملة الأركان صنعتها منظومة تعليمية تُدار بعقلية اللامبالاة وتحت حماية دولة ترفع شعارات “تطوير التعليم” بينما تترك الأطفال فريسة لأبواب حديدية مغلقة وموظفين يغادرون قبل المواعيد الرسمية دون مساءلة.

 

الطفلة التي وجدت نفسها محتجزة داخل المدرسة لم تكن تبحث عن ترف أو “نشاط مدرسي”، بل حاولت النجاة والعودة لبيت أهلها، فقفزت من الطابق العلوي لتسقط فاقدة الوعي، وتبقى غارقة في دمائها قرابة 7 ساعات كاملة، وكأن المدرسة تحولت إلى مكان يُخفى فيه الألم بدلًا من أن يُحمى فيه الطفل.

 

التحقيقات انتهت بإحالة مسؤولين تعليميين للمحاكمة التأديبية العاجلة، وإنهاء تكليف قيادات، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لا تتحرك الحكومة إلا بعد أن تتصدر الفاجعة المشهد؟ ولماذا تظل المدارس بلا منظومة أمان حقيقية، وبلا رقابة يومية فعّالة، وبلا قواعد ملزمة تمنع تكرار الكارثة؟

 

لحظة السقوط.. كيف تُترك طفلة وحدها؟

 

بحسب ما كشفته النيابة الإدارية بالمحلة، بدأت المأساة حين غادر معلمون وإداريون قبل المواعيد الرسمية، وأُغلقت البوابات الحديدية دون التأكد من خلو الفصول ودورات المياه والساحات. هنا تحديدًا يظهر جوهر الأزمة: مدرسة تعمل بمنطق “اقفل وامشي”، لا بمنطق مسؤولية عن أرواح أطفال لا يملكون حتى حق فتح باب أو طلب نجدة.

 

داخل الأسوار، وجدت التلميذة نفسها وحدها في مبنى مغلق، ثم حاولت الخروج بأي طريقة. ألقت حقيبتها من الطابق الأول وقفزت خلفها، لتسقط مغشيًا عليها وتظل تنزف ساعات طويلة دون أن يفتقدها أحد من المدرسة أو يبلغ أجهزة الإسعاف أو الشرطة، ودون وجود كاميرات أو مراقبة تكشف أن طفلة ما زالت داخل المبنى. الأكثر قسوة أن من عثر عليها في النهاية كانت والدتها مساءً، بعد رحلة بحث، وبرفقة عامل المدرسة الذي خرج معها للبحث، قبل أن يكتشفا أنها كانت ملقاة داخل المدرسة نفسها.

 

هذه تفاصيل لا تصنع “حادثًا”، بل تفضح خللًا أخلاقيًا وإداريًا في الحد الأدنى من واجبات أي مؤسسة تعليمية: العدّ، والتأمين، والاستجابة السريعة للطوارئ.

 

شبكة التستر.. مسؤولون يغادرون وآخرون يغطّون

 

النيابة الإدارية نسبت مخالفات إلى مدير المدرسة السابق ووكيلته ومعلمة الفصل ومدير عام الإدارة السابق، وذكرت أن الأخير تستر على الواقعة ولم يبلغ المديرية لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة. هنا تتجاوز القضية حدود “إهمال أفراد” إلى نمط حماية متبادل داخل السلم الإداري: خطأ يقع، ثم تبدأ محاولات التعتيم، ثم تتحول الواقعة إلى ملف ينام في الأدراج لو لم تتدخل جهة تحقيق.

 

وتضيف التحقيقات عنصرًا فاضحًا: عامل المدرسة بلغ سن المعاش وما زال يعمل بالمخالفة للقانون. هذه ليست مجرد مخالفة إجرائية، بل عنوان لعطب إدارة الموارد البشرية في التعليم، حيث تُدار المدارس بسدّ عجز مزمن عبر حلول مرتجلة: عامل بعد المعاش، ومعلمون بالأمر الواقع، وإدارات غارقة في الروتين، ومحاسبة تأتي متأخرة بعد أن يدفع الطفل الثمن.

 

القرارات الإدارية بإنهاء تكليف مدير الإدارة التعليمية ومدير المدرسة تبدو كخطوة سريعة لامتصاص الغضب، لكنها لا تجيب عن أصل الأزمة: أين التفتيش اليومي؟ أين سجلات الانصراف والانضباط المميكنة؟ أين منظومة “آخر طفل يغادر”؟ ولماذا لا تُفعل الحكومة قواعد سلامة ملزمة في كل مدرسة بدل الاكتفاء بإقالات موسمية عقب الفضائح؟

 

ليست الأولى.. سلسلة حوادث مدرسية تفضح دولة “اللا مساءلة”

 

هذه الواقعة تأتي في سياق سلسلة من الحوادث المتداولة خلال الفترة الأخيرة في مدارس حكومية، تشترك في جوهر واحد: غياب معايير السلامة وضعف الإشراف وانهيار فكرة “المدرسة الآمنة”. من بين الأنماط التي تكررت وشغلت الرأي العام مؤخرًا: ترك أطفال داخل فصول أو حمامات بعد الانصراف، سقوط تلاميذ من أسوار أو سلالم غير مؤمّنة، إصابات بسبب تكدس الفصول وغياب الإشراف أثناء الفسحة، وحوادث مرتبطة بنقل التلاميذ أو أبواب مدارس تُدار بعشوائية.

 

المشكلة أن الحكومة تتعامل مع كل فاجعة كأنها استثناء، بينما الواقع يقول إنها نتيجة طبيعية لمزيج قاتل: تدهور البنية التحتية، نقص العاملين، ضعف التدريب على إدارة المخاطر، وغياب رقابة مستقلة لا تخضع للمجاملة أو “ستر الزملاء”. وما لم يتحول الأمان المدرسي إلى سياسة دولة قابلة للقياس والمحاسبة، ستظل المدارس تنتج ضحايا جدد، ثم تُقدَّم كبش فداء إداري كل مرة.

 

ما المطلوب الآن ليس بيانات ولا لجانًا، بل إجراءات ملزمة: كاميرات ومراقبة على البوابات والممرات، نظام عدّ واستلام وتسليم للتلاميذ في نهاية اليوم، منع قفل البوابات قبل التأكد كتابيًا من خلو المبنى، خط طوارئ مباشر مع الإسعاف، وتوقيع عقوبات رادعة تصل للمساءلة الجنائية عند ثبوت الإهمال الجسيم. الأهم أن تتوقف الدولة عن بيع الوهم في مؤتمرات “التطوير” بينما الواقع يقول إن طفلة يمكن أن تنزف 7 ساعات داخل مدرسة دون أن ينتبه أحد.