عبد الناصر سلامة

رئيس تحرير صحيفة الأهرام الأسبق

 

ليس خافيا على أحد، ذلك الابتهاج الشعبي العربي بقصف أسلحة الإمارات في ميناء المكلا اليمني، والتي كانت في طريقها إلى قوات المجلس الانتقالي المؤقت هناك، لدعمه في الحرب والانفصال، ليس ذلك فقط، بل لتحقيق ما هو أبعد إقليميا، لحسابات صهيو- أمريكية معقدة، تستهدف السيطرة على باب المندب، وحركة المرور في البحر الأحمر، وتطويق دول الجوار، إلى غير ذلك من أهداف، لا ناقة للإمارات بها ولا جمل، اللهم إلا استخدامها كأداة، كما هو الحال في العديد من قضايا المنطقة.

 

من ليبيا والسودان، إلى الصومال وأرض الصومال، وجيبوتي اليمن، وحتى سوريا وفلسطين المحتلة، ثم مصر والسعودية، تلعب الإمارات في المنطقة، طوال العقد الماضي، دورا مشبوها، بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ما جعل الشعوب العربية تتوق إلى ذلك اليوم التي تنكسر فيه شوكة الإمارات، حتى لو كان ذلك بضربة عسكرية عربية أو أجنبية، لا فرق في ذلك، ربما تعيدها إلى مرحلة الرشد، التي كان يوصف خلالها الراحل الشيخ زايد آل نهيان بأنه حكيم العرب، لا يتدخل في شؤون الآخرين، بالتالي نال احترام الداني والقاصي، على عكس الحال الآن.

 

أصبح اسم الإمارات منذ عام 2011 مرتبطا بحركات التمرد والانفصال، الحروب والدمار، المؤامرات والانقلابات، ثم بعد ذلك العبث بالدين من خلال ما يطلق عليه، اتفاقية أبراهام، أو الديانة الإبراهيمية، ذلك الاختراع الهزلي الأمريكي- الإسرائيلي، متزامنا مع حالة شاذة من التطبيع مع العدو الصهيوني، استخدمها كغطاء للإبادة والعدوان على مدار الساعة، على الأشقاء في فلسطين ولبنان وسوريا واليمن، في آن واحد، بالتزامن مع مساعدات عسكرية واقتصادية إماراتية للعدو، وهو ما لم يكن يستسيغه العقل ولا المنطق يوما ما.

 

الدعم العسكري الإماراتي للمتمرد خليفة حفتر في ليبيا، كان مثيرا للانتباه منذ اللحظة الأولى في 2011، ثم الدعم بلا حدود للمتمرد محمد حمدان دقلو "حميدتي"، قائد ما تسمى قوات الدعم السريع في السودان، ثم الدعم الكبير لانفصال جنوب اليمن عن شماله، وانفصال ما تسمى بأرض الصومال عن الصومال، وقبل ذلك دعم الإطاحة بحكم الإخوان في مصر، والتدخل الصارخ في الشأن السوري، سواء خلال حكم بشار الأسد أو فيما بعد، ناهيك عن اتهامات سابقة بمحاولات إثارة قلاقل في سلطنة عمان، خلال قيادة الراحل السلطان قابوس بن سعيد، والمشاركة في الحصار على دولة قطر، واتهامات أخرى تتعلق بتونس والجزائر وموريتانيا وغيرها.

 

كل القراءات والتحليلات للممارسات الإماراتية، تشير إلى أننا أمام "أجندة" صهيونية بامتياز، أُوكلت إلى دولة الإمارات لتنفيذها، حتى ما يتعلق منها بشراء الأصول والأراضي والموانئ والمستشفيات والمصانع المصرية، وغير المصرية، تحت غطاء الاستثمار، وهو ما لا يستسيغه الشعب المصري جملة وتفصيلا، وسط مطالب بضرورة تأميم هذه المشروعات، أيا كانت العواقب، ذلك أن عمليات الاختراق الصهيوني لمصر من خلال الإمارات، باتت قضية مطروحة تؤرق الرأي العام، في ضوء ما يراه الشارع من أطماع صهيونية معلنة في المنطقة، لا تتوقف على الأراضي الفلسطينية أو اللبنانية والسورية فقط، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.

 

المتابع لردود الفعل العربية الشعبية على "السوشيال ميديا"، بمجرد الإعلان عن القصف السعودي لأسلحة الإمارات في ميناء المكلا اليمني، سوف يكتشف أن المنطقة تعيش واقعا جديدا، لم يعد يغضب للخلافات العربية، أو حتى الاقتتال فيما بينها، حينما يتعلق الأمر بتقويم عضو نشاز، أضر بالجسم العربي إلى حد السرطان، وهو ما ينطبق على الإمارات، على مدى أكثر من عقد من الزمان وحتى الآن، تزامنا مع ما يطلق عليه "ثورات الربيع العربي"، التي مثلت نقطة تحول بارزة في المنطقة، إن سلبا أو إيجابا، إلا أن أموال الإمارات قد لعبت دورا محوريا في معظم أحداثها.

 

التعويل الشعبي العربي على مواجهة الإمارات، من خلال المملكة العربية السعودية، لا يستهدف الإضرار بها، بل يهدف بالدرجة الأولى إلى تعويق أو إيقاف مشروعها المريب بالمنطقة، فقد ترتدع في السودان، وقد تعيد النظر في انفصال أرض الصومال، وقد تتوقف عن ممارساتها في ليبيا، أو تعيد حساباتها في المنطقة بشكل عام، خصوصا ما يتعلق منها بالعلاقات مع الكيان الصهيوني، ودعمه ماليا وعسكريا وسياسيا، بل ما هو أكثر من ذلك، وهو ما يتعلق بتحريض دول الغرب والولايات المتحدة على الجاليات العربية والمسلمة لديها، وعلى المساجد والمراكز الإسلامية، ورجال الدين بشكل خاص.

 

حالة الابتهاج الشعبية العربية، سوف تصل ذروتها في حالة ما لو تراجعت الإمارات بالفعل عن ذلك الدور المشين، وذلك بالعودة إلى الصف العربي، ونصرة القضية الفلسطينية بشكل خاص، الأمر الذي كان يتطلب منذ البداية موقفا عربيا جماعيا، سواء من خلال جامعة الدول العربية، أو بتنسيق بعض العواصم، خصوصا السعودية، ومصر الرسمية التي لم يصدر عنها رد فعل يتناسب مع حجم الأحداث الأخيرة، في سابقة غريبة شكلا وموضوعا، نظرا لحجم وتاريخ مصر، ناهيك عن الجغرافيا، التي تؤكد استهداف مصر في المقام الأول من كل الأحداث الجارية في المنطقة، والتي تقودها دولة الإمارات، وهو ما جعل الشعب المصري أكثر ابتهاجا من غيره من شعوب المنطقة، حينما تعلق الأمر بمحاولة تقويم الإمارات.

 

على أية حال، ربما كانت ردود الفعل الشعبية العربية وحدها، كفيلة بإرغام القيادة الإماراتية على إعادة النظر في ممارساتها بالمنطقة، وربما كان الصمت الرسمي العربي وحده أيضا كافيا لذلك، حيث لم يصدر أي استنكار من هنا أو هناك لذلك القصف المشار إليه، حتى من أقرب الحلفاء، ما يشير إلى أن الأمر جد خطير، وأن الاحتقان كبير شعبيا ورسميا، ما يؤكد أن حالة الانشقاق والجنوح والخروج على الصف العربي، على مدى خمسة عشر عاما، لم تكن سياسة حكيمة، وربما كانت النفرة السعودية الأخيرة بمثابة الرياح التي تعيد للسفينة توازنها، أو تعيد للقبطان عقله.