في ظل فوضى الإدارة وغياب التخطيط الذي يميز حكومة الانقلاب، يعيش قطاع الطب البيطري في مصر حالة انهيار كامل تُهدد حياة ملايين المواطنين. فالعجز في أعداد الأطباء البيطريين، المسؤولين عن فحص اللحوم والأسماك والدواجن ومنتجاتها، وصل إلى مستويات كارثية تُنذر بانتشار الأمراض الحيوانية والغذائية داخل البلاد دون رقيب أو إشراف علمي متخصص. ما يحدث اليوم ليس نقصًا عرضيًا في الكوادر، بل جريمة دولة متكاملة الأركان ترتكب بحق الصحة العامة، بعد أن تركت الحكومة هذا القطاع الحساس ينهار منذ ثلاثة عقود بلا تعيينات، وبلا مساءلة حقيقية عن النتائج التي تمس حياة الشعب المصري مباشرة.

 

انهيار شامل في جهاز الرقابة البيطرية

 

الأرقام وحدها كافية لفضح حجم الكارثة: العجز في أعداد الأطباء البيطريين العاملين في الهيئة العامة للخدمات البيطرية والوحدات في المحافظات وصل إلى 80%. فمنذ عام 1994، توقفت الدولة عن تعيين الأطباء رغم تخرج دفعات كاملة من كليات الطب البيطري. وحتى اليوم، لم تُعيّن الحكومة سوى 2000 طبيب فقط من أصل 26 دفعة! النتيجة أن من كانوا 15 ألف طبيب في بدايات الألفية، انخفضوا أولاً إلى 9 آلاف، ثم إلى 4 آلاف فقط يخدمون عشرات الملايين من المواطنين ومليارات الوجبات الحيوانية سنويًا.

 

هذا الانهيار يعني ببساطة أن اللحوم التي تصل إلى موائد المصريين تمر غالبًا دون إشراف بيطري حقيقي. فبدل الطبيب المتخصص، أصبح من يتولى الفحص موظفين إداريين لا صلة لهم بالعلوم الطبية. وكما يقول الدكتور خالد سليم، نقيب الأطباء البيطريين، فإن هذا العبث قد يؤدي إلى "وفاة البشر بسبب لحوم ملوثة بآثار أدوية بيطرية وعقاقير لا يمكن كشفها إلا من مختصين". الدولة، بعجزها المتعمد، فتحت الباب أمام منتحلي الصفة والدجالين يتلاعبون بصحة الناس، تمامًا كما تلاعبت السلطة بمصير البلاد بأكملها.

 

لحوم ملوثة وحياة مهددة.. والمجرم بلا محاسبة

 

التحذيرات تتوالى من كل الجهات المهنية والعلمية، لكنها تصطدم بحائط التجاهل الرسمي. الطبيب البيطري محمود حمدي يؤكد أن إسناد مهام سلامة الغذاء لغير الأطباء المتخصصين كارثة خفية، فاللحوم غير المفحوصة أو ذات المخلفات الدوائية يمكن أن تسبب سرطان الكبد والفشل الكلوي. ورغم هذه الكارثة، لم تُصدر الحكومة أي قرار بتعيينات عاجلة أو حتى قانون يمنح الأطباء البيطريين الضبطية القضائية للتحفظ على اللحوم الفاسدة. في المجازر، يجري الذبح في ظروف مروعة دون رقابة حقيقية، بينما تكتفي وزارة الزراعة ببيانات هزيلة عن "التطوير".

 

إن فقدان الرقابة البيطرية لا يهدد فقط صحة المواطنين، بل يدمر الثروة الحيوانية نفسها. فغياب الأطباء عن القرى والمزارع جعل الأمراض الحيوانية تنتشر من دون تحصين أو متابعة. الأوبئة تنتقل بين المزارع لأن الطبيب الذي يفترض أن يقوم بالتحصين والفحص غير موجود، ولأن الدولة تتعامل مع هذا الملف كما تتعامل مع كل ملفاتها: بالإهمال واللامبالاة والصمت الكاذب. عشرات الآلاف من المربين يضطرون إلى الاستعانة بأشخاص منتحلي الصفة، مما يؤدي إلى قتل الحيوانات بالمضادات الخاطئة وإفساد الدورة الإنتاجية بأكملها. إنها مأساة وطنية مكتملة الأركان تصمت عنها حكومة الانقلاب كأنها لا تسمع ولا ترى.

 

فساد إداري وغياب رؤية.. والمواطن يدفع الثمن

 

الطبيب الدكتور مصطفى خليل من مركز البحوث الزراعية يؤكد أن الأزمة تجاوزت المجازر إلى الأسواق والمطاعم التي تبيع اللحوم والدواجن والوجبات الجاهزة دون أي رقابة مهنية. الوجبات الشعبية التي يتناولها ملايين المصريين يوميًا، مثل الفول والطعمية والعصائر، تُعد في بيئات ملوثة دون إشراف صحي حقيقي. ويشير خليل إلى أن نظام الرقابة يجب أن يعتمد على معايير دولية مثل ISO 22000 وتحليل المخاطر ونقاط التحكم الحرجة، لكن النظام الحالي لا يعرف حتى ماهية هذه المصطلحات. فبينما تطبق دول العالم أنظمة دقيقة لضمان جودة الأغذية، ما زالت مصر تعتمد على موظفين بلا تأهيل يملؤون استمارات شكلية، في حين تترك الحكومة الأمور تسير بالعشوائية المعهودة.

 

هذا الفشل الإداري المزمن لا يُسأل عنه موظف صغير، بل نظام بأكمله جعل من الكفاءة جريمة، ومن الإهمال ثقافة رسمية. ففي زمن الحكم العسكري، يُهمل العلم ويُقصى الخبراء، بينما تُغرق البلاد في مشروعات شكلية ومؤتمرات دعائية لا علاقة لها بحياة المواطن. أما في الميدان الصحي والغذائي، فالحكومة لا تملك أي استراتيجية سوى إلقاء اللوم على المواطنين. والنتيجة أن المصريين يأكلون لحومًا وأسماكًا ومنتجات قد تكون ملوثة، في وطن لا يميّز بين الغذاء والسلاح.

 

تقول الحقائق ما لا يمكن إنكاره: أمن الغذاء في مصر منهار، والثروة الحيوانية في احتضار. أزمة الطب البيطري ليست مجرد عجز في الوظائف، بل عنوان لشلل دولة فقدت إدارتها وضميرها. وإذا استمر هذا التجاهل، فإن القادم أخطر: أمراض وبائية جديدة، وأغذية مسرطنة، ومجازر غير آمنة، ومجتمع يأكل الموت ببطء دون أن يدرك أن من يقتله ليس المرض بل الصمت الرسمي القاتل.