مع حلول منتصف ليل الأول من يناير، وبينما تستعد مدن العالم لاستقبال العام الميلادي الجديد بالاحتفالات والأضواء، تشهد معظم أحياء مدينة الإسكندرية مشهدًا استثنائيًا لا يخلو من الغرابة والقلق في آن واحد.
شرفات تتحول فجأة إلى منصات لإلقاء الزجاجات، وأطباق تتحطم على الأسفلت، وأكياس مياه تسقط من الأعلى، في طقس سنوي بات مثار جدل واسع بين السكندريين أنفسهم: هل هو تقليد تراثي يجب الحفاظ عليه، أم عادة خطرة آن أوان اندثارها؟
جذور تاريخية تعود إلى القرن التاسع عشر
تعود أصول هذه العادة إلى القرن التاسع عشر، حين كانت الإسكندرية مدينة كوزموبوليتانية تحتضن جاليات أجنبية متعددة، أبرزها الجالية اليونانية. آنذاك، كان سكان المدينة من اليونانيين وغيرهم يضعون الأواني الفخارية والأغراض الزائدة عن حاجتهم أمام منازلهم في ليلة رأس السنة، في طقس رمزي يعبر عن التبرع والتجدد، واستقبال عام جديد خالٍ من الأعباء القديمة.
وبحسب روايات تاريخية متداولة، كان بعضهم يلقي عملات معدنية من الشرفات محملة بالأمنيات، ليحصل عليها المارة أو عمال النظافة، في مشهد يعكس روح المشاركة والتكافل الاجتماعي. لم يكن الهدف تحطيم الزجاج بقدر ما كان التخلي عن القديم وفتح صفحة جديدة.
تحولات اجتماعية أفرغت العادة من معناها
مع مرور الزمن، وتراجع الوجود الأجنبي في الإسكندرية، فقدت هذه العادة مضمونها الأصلي، وتحولت تدريجيًا إلى طقس صاخب يفتقر للرمزية التي نشأت من أجلها. لم يعد الأمر يقتصر على أوانٍ فخارية أو أغراض غير مستخدمة، بل تطور إلى تحطيم زجاجات وإلقاء أكياس مياه، وأحيانًا إطلاق ألعاب نارية بشكل عشوائي من الشرفات.
ويرى باحثون اجتماعيون أن غياب الوعي بتاريخ العادة ومعناها الحقيقي، إلى جانب محاولات تقليد مشاهد احتفالية دون إدراك عواقبها، ساهم في تشويه هذا الطقس وتحويله إلى سلوك خطير، خاصة في ظل الكثافة السكانية العالية وضيق الشوارع في بعض أحياء المدينة.
شهادات من الشارع.. الخوف بدل البهجة
محمد عجمي، محاسب سكندري، يروي تجربة كادت أن تنتهي بكارثة: “كنت عائدًا بسيارتي بعد منتصف الليل مباشرة، وفجأة سقطت زجاجات من أحد العقارات وتحطمت فوق السيارة، لم أصب بأذى، لكن الموقف كان مرعبًا، كان من الممكن أن أفقد حياتي في لحظة”.
أما شيماء نصر، طالبة جامعية، فتؤكد أن الخطر لا يقتصر على المارة فقط، بل يمتد إلى عمال النظافة الذين يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع هذا السلوك. وتقول: “شاهدت عمال نظافة يتعرضون لإصابات بسبب أشياء ألقيت من الشرفات دون أي تفكير، هذه ليست فرحة، بل استهتار بحياة الآخرين”.
بين القانون والتوعية.. أين الحل؟
رغم عدم وجود إحصاءات رسمية دقيقة حول حجم الإصابات الناتجة عن هذه الظاهرة، فإن شكاوى المواطنين تتكرر سنويًا، وسط مطالب بتدخل حاسم للحد منها.
البعض يدعو إلى تطبيق القوانين التي تجرم إلقاء المخلفات من الشرفات، خاصة إذا تسببت في أذى للغير، بينما يرى آخرون أن الحل الحقيقي يكمن في حملات توعية تستهدف الشباب، وتعيد شرح أصل العادة ومعناها، وتدعو إلى ممارسات احتفالية آمنة.
تراجع نسبي وتبدل في المظاهر
خلال السنوات الأخيرة، بدأت هذه الظاهرة تتراجع نسبيًا في بعض المناطق، مع استبدال الزجاج بأكياس المياه، أو الاكتفاء بالألعاب النارية، فيما فضّل عدد كبير من السكندريين البقاء داخل منازلهم في تلك اللحظات تفاديًا لأي خطر محتمل. ومع ذلك، لا تزال المشاهد تتكرر لتعيد الجدل ذاته مع كل عام جديد.

