مصطفى عبد السلام

رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"

 

من الصعب أن تتكهّن بدقة بما سيحدث في عام 2026 على المستوى الاقتصادي والجيوسياسي والأمني، ومن الصعب أن تجزم بأن 2026 سيكون أفضل حالًا من عام 2025 الذي شهد تقلبات اقتصادية حادة واضطرابات مالية عنيفة وأزمات معيشية في العديد من دول العالم، كما شهد اندلاع أنواع شتى من الحروب الاقتصادية والتجارية وحروب الرسوم الجمركية والعملات وأسواق الصرف والمعادن النادرة والصفقات الهشة ومحاولات دول السطو على ثروات وجزر وموانئ دول أخرى.

 

ومن الصعب أن تصل إلى نتيجة مفادها بأن المخاطر الاقتصادية حول العالم، من ركود وتضخّم وديون وتباطؤ نموّ وتغيرات مناخية وبطالة وفقر وفساد ولا يقين، ستتراجع في 2026، وأن العام سيشهد تسويةً للنزاعات التجارية وحرب الرسوم الجمركية وسياسة الحمائية التي قادها دونالد ترامب ضد معظم دول العالم، وأن الإنفاق العسكري سيتراجع لمصلحة الإنفاق على الخدمات العامة من سكن وتعليم وبنية تحتية.

 

وبالطبع فإن التوقعات الخاصة باتجاهات أسعار الفائدة حول العالم باتت صعبةً، خاصّةً على مستوى خفض البنك الفيدرالي الأميركي سعر الفائدة على الدولار بمعدلات مرتفعة، فهذا الأمر بات محل شكّ، في ظلّ مؤشرات الاقتصاد الأميركي المخيبة للآمال، سواء المتعلقة بمعدلات التضخم أو النمو أو سوق العمل والتشغيل أو الدين العام المنفلت الذي تجاوز 38.5 تريليون دولار، وفي ظلّ تهديد ترامب المباشر لاستقلالية البنك الفيدرالي، وهو أمر بالغ الحساسية ليس فقط للأسواق الأميركية بل للبنوك المركزية الكبرى. يزيد من ضبابية هذا المشهد توجه بنوك مركزية عالمية نحو رفع أسعار الفائدة وليس خفضها، بسبب زيادة معدلات التضخم داخل اقتصاداتها وتعمّق أزمات الركود.

 

ومن الصعب أن نتوقع أن يشهد 2026 طيَ الخلافات بين أكبر اقتصادين في العالم؛ الأميركي والصيني، في ظل تشعب وتعمق الخلافات والتنافس على قيادة العالم في السنوات المقبلة، وأن نجزم أن الاقتصادات الأوروبية الكبرى ستشهد تحسّنًا وتُفلت من موجات الإفلاس والتعثّر للقطاعات الصناعية والإنتاجية والتصديرية، وأن دولًا بارزةً في منطقة اليورو، وفي مقدّمتها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، ستودع الاضطرابات المالية العنيفة وتفاقم أزمة الديون في العام الجديد.

 

وحتى احتمالات حدوث فقاعات في الأسواق العالمية باتت محل شك، فقد تحدث فقاعات في أسواق "وول ستريت" الأميركية وغيرها من بورصات العالم الكبرى، وتتهاوى أسعار أسهم الذكاء الاصطناعي وشركات التكنولوجيا العملاقة، وقد يحدث العكس وتُواصل تلك الأسهم والأسواق ارتفاعاتها، محطِّمةً أرقامًا جديدة قياسية.

 

كل السيناريوهات مطروحة على الطاولة في العام الجديد، وكل الاحتمالات قائمة بشأن اتجاهات أسعار السلع الرئيسية، سواء من أغذية أو نفط ومعادن، ولا شيء يقينيًا في 2026، حتى بالنسبة لأسعار الذهب والفضة والعملات الرقمية، والثابت هنا هو أن الفوضى وعدم اليقين يحيطان بنا من كل جانب، وأن التهدئة المستبعدة اقتصاديًا في عام 2026 تتوقف على عشرات المؤشرات، منها درجة المخاطر الجيوسياسية حول العالم، خاصةً على مستوى ملفات ساخنة، مثل أوكرانيا، تايوان، فنزويلا، ومدى تجدّد النزاع في منطقة الشرق الأوسط، سواء في غزة، أو بين إيران وإسرائيل، أو بين إسرائيل ودول المنطقة، مثل لبنان وسورية والعراق واليمن وغيرها.