تمارس دولة الإمارات العربية المتحدة دورًا بالغ الخطورة في العديد من ملفات وقضايا المنطقة، من خلال تغذيتها الحروب والصراعات في أكثر من دولة، في إطار مساعيها الرامية لاكتساب ثقل إقليمي ودولي، بما يجعلها لاعبًا إقليميًا لا غنى عنه في إعادة ترتيب وتشكيل الأوضاع المنطقة من منظور ضيق لا ينظر بعين الاهتمام إلى ضرورة الحفاظ على الأمن القومي العربي.
وكان آخرها اتهامها بتحريض المجلس الانتقالي الموالي لها في اليمن على التوسع خارج مناطق نفوذه وخوض معارك في المناطق الحدودية مع السعودية، من بينها مدينة المكلا الساحلية في حضرموت التي كانت تسيطر عليها قوات التحالف بقيادة السعودية، الأمر الذي دفع المملكة إلى التخلي عن دبلوماسيتها المعهودة تجاه حليفتها واتهامها صراحة بالعمل على زعزعة استقرارها، ومطالبتها بالانسحاب من اليمن.
الإمارات والصراع في السودان
علاوة على ذلك، وجهت أصابع الاتهام إلى الإمارات بتأجيج الصراع في السودان من خلال تقديم الدعم وإرسال شحنات أسلحة وإمدادات عسكري إلى هناك لتعزيز قوات الدعم السريع، التي ارتكبت بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وعمليات قتل جماعي بدوافع عرقية في إقليم دارفور، وفق ما رصدته منظمات حقوقية.
وتراهن الإمارات على دعم قوات حميدتي لحماية مصالحها في السودان والاستفادة من موقعه الإستراتيجي على البحر الأحمر ونهر النيل، والوصول إلى احتياطات الذهب السودانية الهائلة، مما جعلها في قلب الاتهامات بتغذية الصراع المستمر منذ أكثر من عامين، والذي تسبب في تشريد 6 ملايين سوداني وفق التقديرات.
وفي ليبيا، كانت الإمارات الداعم الأجنبي الرئيس لقائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر، إذ قدمت الدعم الجوي والعتاد إلى ما يُعرف باسم الجيش الوطني الليبي خلال هجوم على طرابلس في 2019، وفقًا لخبراء من الأمم المتحدة.
وكان الهدف من ذلك هو إسقاط حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا ومقرها طرابلس، والتي ضمت فصائل مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، وكانت تحظى بدعم عسكري من تركيا.
موقف مصر من التدخل الإماراتي بالسودان
وعلى الرغم من تعارض موقف الإمارات مع مصر بخاصة في الملف السوداني، فإنه من الملاحظ أن النظام الحالي في مصر الذي اعتمد على المساعدات والدعم الإماراتي لتكريس هيمنته، وإنقاذه من الإفلاس، لم ينبس ببنت شفة تجاه أبو ظبي، حتى وإن كانت ممارستها تمثل تهديدًا للأمن القومي المصري، من خلال الاستمرار في إشعال جذوة الصراع المستعر بالسودان منذ أبريل 2023.
ويستدعي هذا الموقف المتهاون ما حصل أخيرًا من جانب السعودية عندما استشعرت خطر النفوذ الإماراتي على حدودها، فعلى الرغم من الروابط والصلات القوية بين الرياض وأبو ظبي، إلا أنه عندما يتعلق الأمر بزعزعة الأمن وتهديد استقرار المملكة على حدودها الجنوبية، فإن محظورات الدبلوماسية تصبح وقتها من المباحات، وأن التحالف بين الجانبين مرهون باحترام كل منهما للآخر بعيدًا عن لغة العواطف.
يحتفظ قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي بعلاقات وثيقة مع محمد بن زايد رئيس دولة الإمارات، وقد ظهرا معًا في كثير من المناسبات بما يؤكد عمق هذه العلاقة، التي جاءت مدفوعة في الأساس بمخاوف الدولة الخليجية من عودة "الإخوان المسلمين" إلى السلطة في مصر، وتُعد أبو ظبي أهم داعم مالي لنظام السيسي منذ انقلابه على حكم الرئيس المنتخب محمد مرسي في 2013.
وفي عام 2024، حينما وقع صندوق الثروة السيادية الإماراتي، القابضة إيه.دي.كيو، اتفاقًا بقيمة 35 مليار دولار لتطوير منطقة رأس الحكمة في الساحل الشمالي بمصر، في وقت كان فيه نظام السيسي يعاني من ضائقة مالية، في ظل انهيار الجنيه أمام الدولار، وارتفاع التضخم في البلاد إلى مستويات لا مثيل لها.
الإمارات وإثيوبيا
وهنا قد يكون حل اللغز في تحليل أسباب الصمت المصري وعدم اتخاذ موقف قوي تجاه انخراط الإمارات في العديد من الملفات التي تمثل تهديدًا مباشرًا لمصر، كما في ملف سد النهضة، حيث كان يمكن أن تلعب الدولة الخليجية دورًا فاعلاً يدعم الموقف المصري في المفاوضات، لما تملكه أبو ظبي من نفوذ وعلاقات قوية مع إثيوبيا.
وفي عام 2019، وقعت الإمارات مع الحكومة الإثيوبية، مذكرة تفاهم عسكرية لتعزيز التعاون في المجالات العسكرية والدفاعية. وسبق ذلك، تقديم دعم إماراتي وصل إلى 3 مليارات دولار، عام 2018، كمساعدات واستثمارات، وكان ذلك بالتوازي مع بدء إثيوبيا في ملء حوض سد النهضة، في يونيو 2020.
وحتى مع إصدار مصر في الأسبوع الماضي بيانًا مشتركًا مع 21 دولة يدين اعتراف إسرائيل باستقلال أرض الصومال، كان لافتًا غياب الإمارات عن البيان التنديدي، ولم يكن هذا من قبيل المصادفة، إذ أشارت تقارير سابقة إلى أنها تعمل على تطوير علاقاتها مع أرض الصومال، على الرغم من أنها لم تعترف بها رسميًا كدولة، بحسب "يديعوت".
وتدير الإمارات العربية المتحدة قاعدة عسكرية في مدينة بربرة الساحلية على خليج عدن. وفي عام 2017، وافق برلمان أرض الصومال على إنشاء القاعدة. ومنذ ذلك الحين، ووفقًا لتقارير، ساهمت القاعدة في دعم عمليات الإمارات في اليمن.
وعلى الرغم من كل هذه المواقف التي تؤثر بالسلب على مصر وتهددها في صميم أمنها القومي، إلا أن الصمت الرسمي في مصر تجاه الإمارات يثير من الغضب أكثر ما يطرح التساؤلات والاستفهام، في ظل المخاوف التي تسيطر على المصريين تجاه سيطرة إثيوبيا على نهر النيل، وهو ما يمكن النظر إليه باعتباره "خطرًا وجوديًا" يهدد أمة لطالما تفاخرت بأن النيل يمر بأرضها.

