كشفت دراسة أمريكية حديثة، أصدرتها لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية (FTC)، أن كبرى شركات وسائل التواصل الاجتماعي قد انخرطت في عمليات مراقبة واسعة النطاق بهدف تحقيق أرباح مالية ضخمة من بيع المعلومات الشخصية للمستخدمين. الدراسة، التي استمرت لعدة سنوات، استندت إلى طلبات معلومات أُرسلت في أواخر عام 2020 إلى شركات مثل ميتا (فيسبوك وإنستغرام)، يوتيوب، سناب، أمازون، بايت دانس (مالكة تيك توك)، ومنصة إكس (تويتر سابقاً).

أبرز نتائج الدراسة
الدراسة التحليلية أظهرت أن "بعض الشركات لم تحذف جميع البيانات التي طلب المستخدمون إزالتها، مما يعني أن المعلومات الخاصة بالمستخدمين قد تظل محفوظة وتُستخدم لأغراض أخرى حتى بعد طلب حذفها". وتأتي هذه النتائج في وقت حساس بالنسبة لشركات التكنولوجيا، التي تواجه ضغوطاً متزايدة من الجمهور والحكومات بشأن سياسات الخصوصية واستخدام البيانات.

وأكدت الدراسة أن نماذج الأعمال التي تعتمد على الإعلانات المستهدفة تُشجع على جمع بيانات المستخدمين بشكل مكثف، مما يجعل الربح أولوية تتفوق على حماية الخصوصية. هذه الممارسات تضع المستخدمين في موقف ضعيف، حيث يتم استغلال معلوماتهم الشخصية لتحقيق مكاسب تجارية دون موافقة واضحة أو معرفة دقيقة من جانبهم حول كيفية استخدام بياناتهم.

تأثيرات على الأطفال والشباب
من النقاط الحرجة التي أشار إليها التقرير هي التساهل في حماية الأطفال والمراهقين الذين يستخدمون هذه المنصات. فوفقاً للدراسة، تُظهر هذه المنصات ضعفاً في فرض إجراءات أمان كافية لحماية الفئات الشابة من المخاطر المحتملة، مثل التعرض للمحتوى الضار أو الاستهداف بالإعلانات الموجهة. واستندت لجنة التجارة الفيدرالية في تحليلها إلى تقارير تفيد بأن مثل هذه المنصات قد تؤثر سلباً على الصحة العقلية للمستخدمين الشبان، من خلال تعريضهم لضغوط نفسية وإدمان استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

وأشارت رئيسة لجنة التجارة الفيدرالية، لينا خان، إلى أن "التقرير يوضح كيف تقوم شركات وسائل التواصل الاجتماعي والبث التدفقي للفيديو بجمع كمية هائلة من البيانات الشخصية للأمريكيين، وتحقيق أرباح بمليارات الدولارات منها سنوياً". وأكدت خان أن "فشل العديد من الشركات في حماية الأطفال والمراهقين على الإنترنت بشكل كاف، أمر مثير للقلق بشكل خاص"، مشيرة إلى أن هذه الممارسات تعرض المستخدمين لخطر التعقب، الملاحقة، وسرقة المعلومات الشخصية.

دعوات لتشريع شامل للخصوصية
التقرير دعا شركات وسائل التواصل الاجتماعي إلى الحد من ممارسات جمع البيانات، وشدد على ضرورة أن يتدخل الكونغرس الأمريكي لإقرار تشريع شامل للخصوصية؛ بهدف الحد من مراقبة المستخدمين وحماية حقوقهم الرقمية. وأوصت لجنة التجارة الفيدرالية بضرورة وضع معايير قانونية صارمة تحكم كيفية جمع البيانات، استخدامها، وتخزينها، مع فرض عقوبات على الشركات التي لا تلتزم بهذه المعايير.

وفي هذا السياق، أضافت لينا خان: "في حين أن ممارسات المراقبة هذه مربحة للشركات، إلا أنها يمكن أن تعرض خصوصية الأشخاص للخطر، وتهدد حرياتهم وتعرضهم لمجموعة من الأضرار، من سرقة الهوية إلى الملاحقة". وشددت على أن الإعلانات المستهدفة، رغم كونها أداة فعّالة لتحقيق أرباح، إلا أنها تنطوي على مخاطر كبيرة تتعلق بحماية خصوصية المستخدمين وسلامتهم.

ردود فعل القطاع
في ردّ على نتائج الدراسة، أوضح "مكتب الإعلانات التفاعلية" أن مستخدمي الإنترنت يدركون أن الإعلانات المستهدفة هي مقابل الخدمات المجانية التي يتمتعون بها عبر الإنترنت، مشيراً إلى أن هذا التفاهم الضمني بين المستخدمين والشركات يُعتبر جزءاً من النموذج التجاري الرقمي الحالي. وأكد المكتب أن القطاع يدعم بشدّة قانون الخصوصية الوطني الشامل للبيانات، لكنه يرى أن على الشركات العمل مع الجهات التشريعية لتطوير سياسات تحمي خصوصية المستخدمين دون التأثير على النمو الاقتصادي والابتكار.

ماذا بعد؟
نتائج هذه الدراسة تعيد فتح النقاش حول مدى التزام شركات التكنولوجيا بواجبها في حماية بيانات المستخدمين، وخاصة الأطفال والمراهقين. ومع تزايد الضغوط من الهيئات الرقابية والحكومات، يبدو أن شركات وسائل التواصل الاجتماعي قد تجد نفسها مجبرة على إعادة النظر في سياساتها. وقد تكون الخطوة التالية هي وضع إطار قانوني شامل يفرض على هذه الشركات اتخاذ إجراءات أكثر صرامة بشأن كيفية جمع، تخزين، واستخدام البيانات الشخصية.

وفي الوقت الذي تسعى فيه لجنة التجارة الفيدرالية إلى تعزيز حماية المستخدمين من الممارسات التجارية الاستغلالية، يظل السؤال الأهم هو: هل ستتمكن الجهات التنظيمية من فرض تغيير حقيقي في طريقة عمل عمالقة التكنولوجيا، أم أن المصالح الاقتصادية ستظل تتحكم في مجريات الأمور؟ هذا ما ستكشفه الأشهر القادمة، خاصة في ظل تنامي وعي الجمهور بقضايا الخصوصية وحماية البيانات الشخصية.