قالت هيئة الإذاعة البريطانية BBC إن المخابرات البريطانية أوصت مبكرا -في أغسطس 1952- بمنع التحالف بين الإخوان والضباط الأحرار.
ونشرت (BBC) تفاصيل وثائق للمخابرات البريطانية كشفت أنها حذرت من تحالف الإخوان مع حركة الضباط الأحرار وخطورة هذا الامر على المصالح البريطانية في مصر.
وعن أهمية التقرير لفتت إلى صدوره من "جهاز يضم ممثلين عن عدد من وكالات المخابرات البريطانية وجمع المعلومات المختلفة"، التي كانت تدعم حكومة الحرب البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية. وكانت هي أيضا مصدر المعلومات الأساسي لصانعي السياسة البريطانية تجاه الشرق الأوسط.
وأضاف تقرير الإذاعة أن "الجهاز استخباراتي بريطاني في الشرق الأوسط انتهى إلى التقييم التالي بشأن الإخوان المسلمين: التنظيم يتمتع بشعبية جارفة خاصة في الجيش، وهو الأقدر على الفوز بأي انتخابات، رغم ذلك، حذرت الاستخبارات من عاقبة أن يمكِّن الجيش التنظيم من الوصول إلى حكم مصر، وفقا لوثائق بريطانية، حصُلتُ عليها".
وأشارت الوثائق إلى أن بريطانيا فوجئت بحركة الضباط الأحرار في 23 يوليو عام 1952، و"حذرت شخصيات من الحكومة الملكية المخلوعة من أن الانقلاب بقيادة اللواء نجيب هو نتيجة حركة مستوحاة من الشيوعيين والإخوان المسلمين هدفها إنشاء نظام ثوري مناهض للرأسمالية".
وقالت إن مجلس الوزراء البريطاني، برئاسة ونستون تشرشل، بالتحذير من وزير الخارجية خلال اجتماع عقُد في اليوم التالي لإعلان الحركة خلع نظام الملك فاروق، وفق محضر الاجتماع.
واعتبرت الاستخبارات الأمنية البريطانية في الشرق الأوسط “إس آي إم إي” الحركة انقلابا وتابعت الوضع المصري في ظله يوما بيوم.
وأثمرت المتابعة عن تقرير في أول أغسطس عام 1952 بعنوان “الوضع الراهن في مصر بعد الانقلاب الأخير”، أعدته “فرقة تنسيق الشؤون المصرية” في مقر الاستخبارات في القاهرة.
بعبع الانجليز
ونقلت الإذاعة عن ممثل البحرية البريطانية في مكتب إس آي إم إي، في تعليقه على التقرير، إلى أنه ليس هناك أساس لتحذير النظام السابق من الشيوعيين أو الإسلاميين باعتبارهم “بعبعا مفزعا” مزعوما.
وقال “يبدو أننا، أخيرا، هدّأنا شبح البعبع الشيوعي، والشعور الآن هو أن الأهم هو أنه لا يجب أن نسمح لبعبع الإخوان المسلمين بأن يكون له تأثير كبير في القضية الحالية”.
وأضاف “عضوية ستة من الأعضاء العشرة (في الضباط الأحرار الذين أعلن أنهم بدأوا حركة الضباط) في الإخوان المسلمين ليست دليلا على أن الإخوان كانوا وراء الأمر”.
وأوضح التقرير أنه يبدو أنهم (الإخوان) كانوا على علم مسبق بالانقلاب، غير أن ما يمكن رؤيته هو أنهم، كتنظيم، لم يكن لهم يد في التأسيس له والترويج له. ومعروف أن ستة من الضباط العشرة أعضاء في الإخوان المسلمين، وتأكد أيضا بشكل موثوق منه أن نجيب عضو..
وخلص إلى أن معلومات الاستخبارات أكدت أنه “إذا قرر الإخوان المسلمون دخول المعترك السياسي، فإنهم سيكتسحون الجميع في الانتخابات القادمة، ولن يكون لحزب الوفد فرصة في المشهد”.
وأنه بعدما نجح الضباط في السيطرة على السلطة، اختاروا علي ماهر رئيسا للوزراء تحت قيادة اللواء نجيب، رئيس مجلس القيادة، الذي تغير اسمه إلى “مجلس قيادة الثورة” بعد التأييد الشعبي الكبير لانقلاب الضباط ، وقاده لاحقا جمال عبد الناصر بعد إطاحته بنجيب.
غير أن ماهر لم يكن الاختيار الأول، كما يكشف التقرير الاستخباراتي البريطاني.
فقال إن نجيب عرض رئاسة الحكومة على حسن الهضيبي، المرشد العام للإخوان المسلمين في ذلك الوقت.
الهضيبي صادق
ولفت التقرير إلى مذكرات محمد نجيب والتي كانت بعنوان "كنتُ رئيسا لمصر"، حيث لم يشر اللواء نجيب، أول رئيس لمصر بعد انتقالها من الملكية إلى الجمهورية، إلى هذا العرض على الإطلاق رغم أنه تحدث بالتفصيل عن مداولات مطولة ومكثفة لاختيار رئيس للحكومة من غير العسكريين. وأكد أن الإخوان رفضوا عرضا بالمشاركة في حكومة جديدة، بعد استقالة ماهر، بثلاثة وزراء.
إلا أن "التقرير البريطاني" قال إن أحد مصادر الاستخبارات يؤكد “صدق” كلام حسن الهضيبي آنذاك، عن عرض نجيب عليه رئاسة أول حكومة بعد الثورة.
وأضاف أن "دقة وصدق ومكانة المصدر” تشير إلى أن “مرشد الإخوان عُرض عليه بالفعل هذا المنصب من جانب نجيب". مشيرا إلى أن ذلك كان سبب قلق الاستخبارات مما قد يأتي. فحذرت من أن” قدرة الضباط العشرة الشبان على إتيان تصرفات متطرفة لتحقيق أهدافهم أمر ممكن بالتأكيد”.
وأوضحت أن 6 منهم أعضاء في الإخوان المسلمين. وأحد هؤلاء الستة، وهو محمد أنور السادات، له تاريخ طويل كإرهابي، العديد من الضباط الشبان كانوا شركاء لمصطفى كامل صدقي، وهو إرهابي معروف.
ونبهت إلى أن الإخوان "أثبتوا أنهم قادرون على التصرف القاسي بلا رحمة، مثل القبض على ضباط الشرطة، ومسؤولين مدنيين بعينهم وإصرارهم على تنازل الملك عن العرش".
شهادة بريطانية
وقال التقرير إنه إلى جانب الجيش وضباطه الثوريين، اعتبر البريطانيون الإخوان والوفد الضلعين الآخرين لثلاثي يسيطر على الساحة السياسية في مصر بعد 23 يوليو 1952، وفي مواجهة تأثير الإخوان ونفوذهم، تمتع حزب الوفد بشعبية كبيرة بفضل سمعته في مقاومة الاحتلال البريطاني.
وأوضح أن المقارنة، وفقا للتقرير الاستخباري، كانت في مصلحة الإخوان وقال "مرة أخرى، يمكن الحكم بأن النفوذ الوفدي في الجيش ليس بقوة نفوذ الإخوان".
وأحال معدو التقرير القيادة في لندن إلى تقييم سابق، أعده قسم التنسيق الخاص بالشأن المصري أيضا، وأكد أن ” 20 % من الجيش أعضاء في الإخوان المسلمين مقارنة بـ 4 % فقط أعضاء في حزب الوفد”.
وأن السؤال الذي شغل الجميع داخل مصر وخارجها وقئذ "يتعلق بقدرة نجيب على السيطرة على أي خلافات قد تنشب بين قادة الثورة العسكريين بشأن وجهة البلاد بعد خلع النظام الملكي".
ورأى التقرير أنه "إذا لم يستطع نجيب الاحتفاظ بالسيطرة على الضباط الشبان وضبطهم فإن هناك خطرا جديا في أن فصيل الإخوان أو الوفد سوف يكون له اليد العليا، ورجح تقدير الاستخبارات أن تكون "يد الإخوان هي العليا".
وكانت الاستخبارات قد علمت أن تنظيم الإخوان قرر أن يتخلى عن دور المراقب ودخول الحياة السياسية. وأرسلت بهذا تقريرا إلى المقر في لندن.
تحريض الجيش
وكان التقرير حذر من عواقب تمكين الإخوان من الحكم خاصة بالنسبة للقوات البريطانية، ناصحا “بضرورة عدم إغفال هذا الأمر”.
وقدروا أنه "لو وضع الجيش الإخوان في السلطة، فإنهم يملكون سلاحا نفيسا لا يقدر بثمن يتمثل في كتائبهم التي لم يتم، كما هو معروف، حلها أبدا، ولا تزال تملك كميات كبيرة من الأسلحة، لم تستخدم بشكل كامل في منطقة القناة".
ولم يتعلق التحذير بوضع قوات الاحتلال في مصر فقط، بل نبه إلى خطورة قوة الإخوان في أي صراع سياسي محتمل، واصفا الكتائب المشار إليها بأنها “عنصر يمكنه بسهولة قلب الموازين في أي صراع على السلطة لمصلحة الإخوان المسلمين”.
ونبه معدو التقرير إلى أنه "إذا لم ينجح على ماهر في تحقيق تماسك في الوضع السياسي خلال فترة معقولة، فإن الجيش سيدفع بالإخوان والهضيبي إلى السلطة”، وعبرت الاستخبارات عن اعتقادها بأن هذا أمر” له أهمية كبيرة”.
وكان هذا نذير خطر في رأي الاستخبارات البريطانية التي أكد تقريرها أن نجيب وماهر “على دراية به”.

