أعادت حكومة الانقلاب فتح ملف تشغيل الأطفال عبر القرار الوزاري رقم 50 لسنة 2026، الذي وضع ضوابط أكثر تفصيلًا لساعات العمل والتدريب، وحدد قائمة واسعة من المهن الخطرة المحظور تشغيل الأطفال فيها. لكن صدور القرار بهذا التفصيل لا يشي فقط بحرص تشريعي متأخر، بل يكشف في الوقت نفسه اتساع الظاهرة إلى درجة فرضت على الدولة أن تعود لتحديد ما كان يفترض أن يكون محسومًا أصلًا في القانون والرقابة والتنفيذ. فحين تضطر السلطة إلى النص صراحة على منع تشغيل الطفل ليلًا، ومنع تشغيله في المناجم والمحاجر والمبيدات والكيماويات والمشارح والصرف الصحي والملاهي الليلية، فإن ذلك يعني أن سوق العمل ظل مفتوحًا طويلًا أمام انتهاكات أوسع من أن تخفيها البيانات الرسمية. كما أن القرار صدر بينما لا تزال أسباب الدفع بالأطفال إلى سوق العمل قائمة، وفي مقدمتها الفقر والتسرب من التعليم وضعف التفتيش، وهي أسباب لا يعالجها نص تنظيمي وحده مهما بدا صارمًا على الورق.
القرار الجديد عرّف الطفل بأنه كل من لم يبلغ 18 سنة ميلادية كاملة، وحظر تشغيله قبل إتمام مرحلة التعليم الأساسي أو قبل بلوغ سن 15 عامًا أيهما أكبر، مع السماح بالتدريب المهني من سن 14 عامًا بشروط لا تضر بالتعليم أو الصحة أو السلامة. وهذه الصياغة القانونية تبدو منضبطة، لكنها تفضح أيضًا أن الدولة ما زالت تدير ظاهرة قائمة لا ظاهرة انتهت، لأن النص الجديد لم يأت في فراغ، بل جاء بعد سنوات من تعهدات رسمية بالقضاء على أسوأ أشكال عمل الأطفال من دون إنهاء الدوافع التي تدفع الأسر والورش وأصحاب الأعمال إلى تشغيل الصغار. كما أن البيانات الأحدث التي عرضتها يونيسف تؤكد أن نحو 1.3 مليون طفل بين 5 و17 سنة ما زالوا منخرطين في عمالة الأطفال في مصر، وأن نحو 900000 منهم يتعرضون لبيئات عمل خطرة، وهو رقم يضع القرار في سياق أزمة ممتدة لا في سياق نجاح مكتمل.
ضوابط مشددة على الورق وسوق مفتوح في الواقع
وبموجب القرار، لا يجوز تشغيل الطفل أكثر من 6 ساعات يوميًا، على أن تتخللها ساعة راحة على الأقل، مع حظر تشغيله أكثر من 4 ساعات متصلة، ومنع العمل الإضافي أو العمل خلال أيام الراحة الأسبوعية والعطلات الرسمية. كما حظر القرار تشغيل الأطفال ليلًا من السابعة مساء إلى السابعة صباحًا، في محاولة واضحة لتقليل الاستنزاف البدني والنفسي الذي يتعرض له الأطفال العاملون.
كما ألزم القرار أصحاب العمل بإجراء فحص طبي شامل قبل الالتحاق بالعمل، ثم إعادة الفحص دوريًا مرة واحدة على الأقل كل عام، مع تقديم وجبة غذائية صحية يومية، وتوفير مياه نقية، وأماكن لتغيير الملابس، وتجهيزات للإسعافات الأولية. وهذه الالتزامات تكشف أن الدولة تعرف بدقة طبيعة المخاطر التي يتعرض لها الأطفال، لكنها لم تُظهر بعد كيف ستفرض هذه الشروط فعليًا على منشآت يعمل كثير منها خارج الرقابة الصارمة.
وفي هذا السياق، أشارت مروة صلاح مديرة مشروعات مكافحة عمل الأطفال بمكتب منظمة العمل الدولية بالقاهرة إلى أن الجهود الفعالة ضد عمالة الأطفال تحتاج إلى تنفيذ توصيات عملية وتعاون مؤسسي مستمر، لا إلى مجرد إعلان قواعد جديدة. وهذا التقدير يكتسب وزنه لأن المنظمة الدولية نفسها تعمل داخل مصر على برامج تستهدف سلاسل التوريد والصناعات الصغيرة التي تستوعب جزءًا من تشغيل الأطفال بعيدًا عن الرقابة الكاملة.
ثم إن القرار لم يكتف بتنظيم الساعات والراحة، بل ألزم أصحاب المنشآت بتعليق نسخة من الأحكام القانونية والقرارات التنفيذية في مكان ظاهر، وإبلاغ مكاتب التشغيل بأسماء الأطفال العاملين لديهم وطبيعة أعمالهم، مع إصدار بطاقة تدريب لكل طفل تتضمن صورته وتعتمد من مكتب العمل المختص. وهذه التفاصيل تعني أن الحكومة تدرك وجود حاجة فعلية إلى حصر الأطفال العاملين، لا مجرد الحديث عن منع تشغيلهم نظريًا.
قائمة المحظورات تكشف حجم المهن التي ابتلعت طفولة الفقراء
كما وسّع القرار قائمة الأعمال المحظورة بالكامل على الأطفال، فشملت المناجم والمحاجر، وصناعات البترول والغاز والكيماويات، وصناعة الأسمنت والتبغ والفحم، والصناعات التي تعتمد على مواد كيميائية حادة، إلى جانب البناء والإنشاءات، والعمل على السقالات والمرتفعات، والهدم ورفع الأنقاض، والتعامل مع المذيبات والدهانات والضوضاء العالية. وهذه القائمة لا تبدو مبالغة، بل تبدو انعكاسًا مباشرًا لحجم القطاعات التي تسرب إليها تشغيل الأطفال طوال سنوات.
وامتد الحظر أيضًا إلى بعض الأنشطة الخدمية الشاقة، مثل العمل في غرف العمليات والمشارح، والتعامل مع الصرف الصحي، والعمل في الملاهي الليلية والبارات، فضلًا عن المهن التي تتطلب حمل أوزان تفوق القدرة البدنية للأطفال. كما شمل قطاع الزراعة والصيد، فمنع تشغيل الأطفال في رش المبيدات الحشرية، والتعامل مع الأسمدة الكيماوية، وأعمال الحفر اليدوي، والصيد في المياه العميقة، وهو ما يؤكد أن المخاطر لم تعد محصورة في المصانع والورش فقط.
كذلك حدد القرار أوزانًا قصوى لا يجوز تجاوزها، بحيث لا يحمل الذكور أكثر من 10 كيلوجرامات، ولا تحمل الإناث أكثر من 7 كيلوجرامات، مع وضع حدود للحمولات المدفوعة على القضبان، وحظر تشغيل الأطفال في دفع الأثقال على عجلة واحدة أو عجلتين بشكل كامل. وحين تصل اللائحة إلى هذا المستوى من التفصيل، فإنها تقول ضمنًا إن إرهاق الأطفال بدنيًا لم يكن استثناءً محدودًا داخل سوق العمل المصرية.
وفي الإطار نفسه، أكد المجلس القومي للطفولة والأمومة برئاسة مشيرة خطاب أن مواجهة عمل الأطفال تتطلب تكاتف الجهود الوطنية كافة، وهو تأكيد يعكس اعترافًا رسميًا بأن الظاهرة أكبر من معالجة إدارية منفصلة. غير أن هذا الاعتراف يظل ناقصًا ما لم يتحول إلى رقابة فعالة في الحقول والورش والمصانع والأسواق التي تستقبل الأطفال يوميًا بسبب الحاجة الاقتصادية وضعف الردع.
القانون يضيق على الأطفال بينما الفقر والرقابة يدفعانهم إلى العمل
لكن القراءة المباشرة للقرار تكشف مشكلة أعمق من نصوص الحظر، لأن تشغيل الأطفال في مصر لم ينشأ أصلًا من غياب التعريفات فقط، بل من تداخل الفقر مع التسرب من التعليم ومع قبول اجتماعي واقتصادي متراكم لفكرة العمل المبكر. ويونيسف أوضحت أن عمالة الأطفال ترتبط بوضوح بالفقر، وأن نسبتها ترتفع بين الأطفال غير الملتحقين بالمدرسة، كما ترتفع في المناطق الريفية وبخاصة ريف الوجه القبلي، وهو ما يعني أن الظاهرة تتحرك مع التهميش لا مع غياب النص القانوني فحسب.
وبسبب ذلك، لا يبدو كافيًا أن تعلن الوزارة دورًا رقابيًا لمفتشي العمل من دون نشر بيانات تفصيلية عن عدد الزيارات، والمخالفات المحررة، وحجم الأطفال الذين جرى سحبهم من الأعمال الخطرة، والقطاعات الأكثر تورطًا في المخالفات. فالمشكلة لم تعد في نقص المعرفة، لأن الحكومة ومنظمات الأمم المتحدة والمجلس القومي للطفولة يعرفون خريطة الخطر تقريبًا، لكن التنفيذ يظل الحلقة الأضعف التي تسمح باستمرار السوق غير الرسمية في ابتلاع الطفولة.
وفي هذا السياق، أعلن عبد المنعم الجمل رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر في نوفمبر 2024 رؤية لمكافحة عمل الأطفال تقوم على تحسين التنشئة وتوسيع الحماية، وهو طرح يعيد المسألة إلى جذورها الاجتماعية والاقتصادية. لكن بقاء هذه الرؤية في نطاق التصريحات لا يغير حقيقة أن آلاف الأطفال ما زالوا يدخلون سوق العمل لأن دخل الأسرة لا يكفي، ولأن التفتيش لا يصل دائمًا إلى الورش الصغيرة والحقول وسلاسل التوريد المخفية.
ثم إن وزارة العمل نفسها كانت قد تحدثت في أبريل 2024 عن الخطة الوطنية لمواجهة أسوأ أشكال عمل الأطفال 2018-2025، وربطت نجاحها ببرامج الحماية الاجتماعية والتعليم. غير أن صدور قرار أكثر تفصيلًا في مارس 2026 يطرح سؤالًا مباشرًا عن حصيلة تلك الخطة، لأن الحاجة إلى تشديد القواعد من جديد تعني أن الظاهرة لم تنكمش بالقدر الذي تسمح به الوعود الرسمية المتكررة.
وأخيرًا، يكشف القرار الوزاري رقم 50 لسنة 2026 حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أن الدولة لا تواجه فقط مخالفات تشغيل متناثرة، بل تواجه اقتصادًا واسعًا ما زال يسمح بتحويل الأطفال إلى قوة عمل رخيصة تحت ضغط الفقر وضعف الإنفاذ. ولذلك فإن أي حديث حكومي عن الحماية يفقد قيمته ما لم تُغلق أبواب التشغيل الخطر فعليًا، ويُربط بقاء الطفل في المدرسة بدعم اقتصادي ورقابة معلنة ومحاسبة مستمرة، لأن الطفولة في مصر لا تحتاج لائحة جديدة فقط، بل تحتاج دولة توقف السوق عن افتراسها.

