ورث المصريون الكثير من العادات والتقاليد عن أجدادهم من العصور الفرعونية والقبطية والإسلامية، من بينها كحك العيد الذي يعود لمصر القديمة.

وقال قطاع المتاحف بوزارة السياحة والآثار، في تقرير حديث بمناسبة احتفالات عيد الفطر المبارك: "صوَّرت جدران المعابد والمقابر في مصر القديمة العديد من مراحل عمل الكعك، بحيث أظهرت السيدات وهن يقمن بعجن العجين وصبه على هيئة قرص الشمس المستدير وتزينها خطوط أشعة الشمس حيث يهدين الكعك إلى المعابد كقرابين في الأعياد".

وكشفت الجهة الرسمية أن "مقبرة تي سجلت خلال الأسرة الخامسة نقشا يمثل إحدى النساء التي تحمل قرابين الكعك فوق رأسها في داخل سلة".

بينما سجلت نقوش مقبرة الوزير رخمي رع بالأقصر في عصر الأسرة الـ18 خطوات صناعة الكعك ومكوناته، وفقا للوزارة.

وتابعت: "كذلك لدينا نقوش بمعبد كوم أمبو بأسوان تمثل مراحل صناعه الكعك وتسويتها على لوح من الصاج مثلما نراه الآن في المناطق الشعبية المصرية".

إبداع في صناعة الكعك

قال خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير عام البحوث والدراسات الأثرية والنشر العلمي بجنوب سيناء بوزارة السياحة والآثار إن صناعة كعك العيد في الأعياد من أقدم العادات التي عرفت عند المصريين القدماء حيث نشأت مع الأعياد ولازمت الاحتفال بأفراحهم مشيرًا إلى أنهم صنعوا أنواعًا عديدة من الكعك وكانت صناعة الكعك لا تختلف كثيرًا عن صناعته الحالية مما يؤكد أن صناعته امتدادًا لتقاليد موروثة.

وقال ريحان في تصريحات له: وردت صور مفصلة لصناعة كعك العيد في مقابر طيبة ومنف حيث صور المصري القديم طريقة صناعة الكعك على جدران المقابر وتشرح كيف كان يخلط عسل النحل بالسمن ويقلّب على النار ليضاف على الدقيق ويقلّب حتى يتحول لعجينة يسهل تشكيلها ثم يرص الكعك على ألواح من الإردواز ثم يوضع في الفرن.

ونوه الدكتور ريحان إلى أن هناك أنواعًا من الكعك كانت تقلى في السمن أو الزيت وكانوا يشكلون الكعك على شكل أقراص وبمختلف الأشكال الهندسية والزخرفية كما كان يشكّل بعض الكعك بأشكال الحيوانات وأوراق الشجر والزهور ويتم حشو الكعك بالتمر المجفف (العجوة) أو التين ويزخرف بالفواكه المجففة كالنبق والزبيب وذلك طبقًا لما جاء في كتاب الدكتور سيد كريم " لغز الحضارة المصرية".

"كل واشكر"

وأضاف: صنع المصري القديم الفطير المخصص لزيارة المقابر في الأعياد والذي يطلق عليه حاليًا "الشريك" وكانوا يشكلونه على شكل تميمة ست (عقدة إيزيس) وهي من التمائم السحرية التي تفتح للمتوفى أبواب الجنة في المعتقد المصري القديم.

وأشار الدكتور ريحان إلى أن الكعك عرف في تاريخ الحضارة الإسلامية منذ عهد الدولة الطولونية الذي أسسها أحمد بن طولون 254هـ وكان يصنع في قوالب خاصة مكتوب عليها "كل واشكر" ثم تطور في عهد الدولة الإخشيدية الذي أسسها محمد بن طغج الإخشيدي 323هـ وأصبح من مظاهر الاحتفال بالعيد.

وواصل: يحتفظ متحف الفن الإسلامي بالقاهرة بالعديد من هذه القوالب التي كتب عليها "كل هنيئًا واشكر" وكذلك "كل واشكر مولاك"، وفى العصر الفاطمي كانت تخصص مبالغ كبيرة لصناعة الكعك وكانت المصانع تبدأ في صناعته منذ منتصف شهر رجب وكان الخليفة يتولى توزيعه بنفسه.

أطول مائدة للكعك

وتابع: بلغ طول مائدة الخليفة العزيز بالله الفاطمي 1350 مترًا، وكان بها 60 نوعًا من الكعك والغريبة، وأطلق على عيد الفطر "عيد الحُلل" لتخصيص 16 ألف دينار لإعداد ملابس لأفراد الشعب بالمجان وكان يصنع بإدارة حكومية تسمى دار الفطرة وكان الشعب يقف أمام أبواب القصر الكبير عندما يحل العيد ليحصل كل فرد علي نصيبه واستمر هذا التقليد حتى أصبح حقًا من حقوق الفقراء.

وأكد ريحان أن أشهر من صنعت كعك العيد هي "حافظة" التي كانت تنقش عليه عبارات مختلفة مثل "تسلم ايديكي يا حافظة" وخصصت أوقاف البر والإحسان ليصرف من ريعها علي صنع الكعك وتوزيعه على الفقراء في عيد الفطر.

وقال: في العصر الأيوبي احتفظوا بأمهر صناع الكعك من العصر الفاطمي ومن أشهرهن "حافظة" والذي عرف كعكها باسم كعك حافظة، واهتم المماليك بالكعك وتوزيعه على الفقراء وكانت هناك سوق للحلاويين بالقاهرة. وذكر في الوقفيات ومنها وقفية الأميرة تتر الحجازية توزيع الكعك الناعم والخشن على موظفي مدرستها التي أنشأتها عام 748هـ 1348م.

وأضاف: في العصر الحديث، أسهم أهل الشام الذين هاجروا إلى مصر خلال القرنين التاسع عشر والعشرين في تطوير صناعة الحلوى بمصر ومنها كعك العيد والبسكويت، وظهرت تقنيات جديدة أضافت إليه شكلًا جديدًا، لاسيما مع استخدام الماكينات الحديثة لتحل محل المنقاش الشعبي الذي كانت النسوة تنقشن به الكعك في بيوتهن قبل الذهاب لتسويته في الأفران.

العيدية من العصر الفاطمي

أما فيما يخص منح النقود في الأعياد، فقال تقرير قطاع المتاحف بوزارة السياحة والآثار إن كلمة "عيدية" مشتقة من كلمة "عيد"، وهو لفظ أطلقه الناس على النقود والهدايا التي كانت توزعها الدولة ‏خلال العيد، وقد اختلفت الأسماء التي أطلقت عليها على مدار العصور.‏

وأضاف: "في العصر الفاطمي، ظهرت العيدية في مصر وكانت تعرف بأسماء مختلفة، من بينها الرسوم، وكان ‏الفاطميون يحرصون على توزيع النقود والثياب على المواطنين خلال فترة الأعياد".

وأوضحت أن في العصر المملوكي ‏ظلت تلك العادة موجودة، لكنها كانت تعرف باسم "الجامكية"، وهي كلمة تعني "المال المخصص لشراء ‏الملابس".

وأكملت: "في العصر العثماني، اختلفت طريقة تقديم العيدية بشكل كبير، إذ أنه بدلا من تقديمها ‏للأمراء على هيئة دنانير ذهبية، أصبح يتم تقديمها في صورة هدايا ونقود للأطفال".