كثيرون في شتى أنحاء العالم وصفوا فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب في سباق الإنتخابات الرئاسية الأمريكية بالكارثة، وذهبوا الى أكثر من ذلك عندما إتهموه بالعنصرية والفاشستية ، لكن الحقيقة أن ترامب ربما يمثل حالة جديدة لإرتقاء التيار السياسي الشعبوي والعنصري الى سدة الحكم في أقوى دولة في العالم.

لم يأت ترامب إلى هذا المقعد صدفة، فأفكاره العنصرية والإقتصادية ظل يرددها لعشرات السنين، وليس من دليل أبلغ على ذلك، أكثر مما قاله في مقابلة تلفزيونية مع المذيعة الأمريكية الشهيرة أوبرا وينفري حينما إستضافته قبل 28 عاماً وتحديداً عام 1988 في برنامجها الشهير "أوبرا شو"، للحديث معه عن لقاء أجرته معه صحيفة أمريكية إنتقد فيه السياسات الخارجية لأمريكا.

خلال تلك المقابلة تحدث ترامب وكان عمره آنذاك "42 عاما" عن برنامجه إذا ما تولى سدة الرئاسة في امريكا، غير أن أكثر ما يبدو لافتا ومثيرا للإنتباه والتأمل هو أن حديثه آنذاك، لم يتغير بعد نحو ثلاثين عاما من تلك المقابلة .. كانت اجاباته تلك، ولا تزال، هي نفسها التي ظل يرددها خلال حملته الانتخابية الاخيرة والناجحة والمثيرة للجدل والانقسام في الوقت نفسه.

قال ترامب لأوبرا قبل نحو ثلاثين عاما ذات حديثه الحالي عن رؤيته للعلاقات الخارجية، خصوصاً فيما يتعلق بالعلاقات الحمائية والدفاعية مع دول اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية والكويت، مؤكداً أن هذه العلاقات يجب أن تكون مدفوعة الثمن. وأسهب في إنتقاده لتدفق المنتجات اليابانية إلى الولايات المتحدة مما يؤثر على المنتجات الأمريكية والسوق المحلي تأثيراً سلبياً في الوقت الذي تصرف فيه أمريكا بلايين الدولارات لحمايتها، مشدداً على أنه إذا أرادت أمريكا أن تتوسع في إدخال منتجاتها إلى اليابان فلن يسمح لها أبداً. واكد أن أمريكا يمكن ان تحصد أمولاً كثيرة من هذه الدول مقابل خدماتها التي تقدمها لهم، ويجب أن تدفع هذه الأموال مقدماً لفترة الـ 25 عاماً المقبلة.

وبعد أن فرغ من إجابته على السؤال، قالت أوبرا ملاحظة قوية ربما لم تعتقد بإن هذه الملاحظة ستصبح حقيقة بعد 28 عاما، حيث قالت له : "من إجابتك هذه بدا لي وكأني أسمع حديث لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية ، لأن هذا الحديث لا يصدر من أناس عاديين".

وربما رأت المذيعة المحنكة في ضيفها مقدرات ضخمة جعلتها توجه سؤالاً صريحاً ومباشراً فقالت له: هل ستفوز إذا ترشحت لإنتخابات الرئاسة الأمريكية؟ . فكانت إجابته صريحة وسريعة: أعتقد أني سأفوز لن أقبل بالخسارة ، مضيفاً، "لم أخض مغامرة في حياتي وخسرتها ولن أسمح بأن يحدث ذلك" .

وبعد 28 عاما على تلك المقابلة التلفزيونية، هاهو ترامب يؤكد أنه كان حينها يعني ما يقوله حرفياً حيث حقق فوزاً كاسحاً بالإنتخابات الرئاسية الأمريكية بعد سحقه لمنافسته الديموقراطية هيلاري كلينتون.

ربما لم يتوقع حتى أكثر المتشائمين أن يفوز ترامب على منافسته كلينتون، بعد ان شابت حملته الإنتخابية العديد من علامات الإستفهام حول خطته فيما يتعلق بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية الداعمة لإسرائيل والمعادية للإسلام والمسلمين والأقليات في امريكا. لكن خطابه المتطرف والمتمرد على القواعد فيما يبدو كان جاذبا لقطاع كبير من الناخبين البيض شديدي التعصب والحماسة مقابل حملة كلينتون التقليدية.

بعد كل هذه التداعيات يبدو أن الشخص الوحيد الذي كان واثقاً من فوز ترامب بالإنتخابات الأمريكية هو ترامب نفسه، وربما كان متأكداً ففي الوقت الذي غردت فيه منافسته هيلاري كلينتون من حسابها بتويتر خلال عملية الإقتراع تغريدة مليئة بالإحباط والهزيمة ، كان ترامب يغرد محفزاً لمؤيديه بالزحف نحو مراكز الإقتراع والتصويت، مؤكداً لهم أن الوقت قد حان لتعود أمريكا عظيمة كما كانت من قبل .

وقبل قرابة العام من اليوم وجهت إحدي المذيعات سؤالاً للمرشح الجمهوري اذا فاز بالانتخابات الرئاسية فماذا سيقول لأوباما حينها .. وكان رد ترامب سريعاً "أنت مطرود" .. وهذه الإجابة تحمل في طياتها الكثير من ملامح فترة رئاسته المقبلة.