فرضت إدارة دونالد ترامب على طهران مهلة جديدة تنتهي مساء الثلاثاء 7 أبريل، وقدمتها باعتبارها الفرصة الأخيرة قبل توسيع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. غير أن الساعات السابقة لانتهاء المهلة كشفت اتجاها مختلفا داخل البيت الأبيض، إذ لم تظهر مؤشرات على تقليص فعلي للفجوة بين الطرفين، بينما واصل ترامب التلويح بتدمير الجسور ومحطات الكهرباء إذا لم تقبل إيران شروطه المتعلقة بالمضيق والاتفاق معا. وتؤكد تقارير أمريكية أن الرئيس الأمريكي لم يبد استعدادا لتخفيف لهجته، حتى مع استمرار الوسطاء في نقل رسائل متبادلة والسعي إلى تعديلات على المقترحات المطروحة.
جاء الرد الإيراني في هذا التوقيت ليعكس رفضا واضحا لوقف إطلاق نار مؤقت، وتمسكا بإنهاء دائم للحرب وفق شروط تضع رفع العقوبات وإعادة الإعمار وضمان العبور الآمن في مضيق هرمز داخل سلة واحدة. وبينما نقلت وكالة "إرنا" أن طهران سلمت ردها عبر باكستان بعد مراجعات على مستويات عليا، أظهرت تقارير "وول ستريت جورنال" و"أكسيوس" أن واشنطن اعتبرت الرد متشددا، لكنها لم تغلق الباب تماما أمام تمديد جديد إذا ظهرت مؤشرات تعتبرها إيجابية. وبذلك دخلت المنطقة لحظة شديدة التوتر، يتقاطع فيها التفاوض مع التهديد العسكري المباشر.
اتساع الفجوة قبل نهاية المهلة الأمريكية
أفادت "وول ستريت جورنال" نقلا عن مسؤولين أمريكيين بأن الهوة بين الموقفين الأمريكي والإيراني بقيت واسعة إلى درجة يصعب معها ردمها قبل حلول الساعة 8 مساء بتوقيت واشنطن. وجاء هذا التقدير مع تشاؤم متزايد داخل البيت الأبيض من احتمال قبول طهران مطالب ترامب، وفي مقدمتها إعادة فتح مضيق هرمز بالتزامن مع اتفاق سياسي أوسع.
ثم نقل موقع "أكسيوس" عن مسؤولين في إدارة ترامب أن الرئيس قد يؤجل تنفيذ تهديده إذا رأى أن اتفاقا ما يلوح في الأفق. لكن هذا الاحتمال بقي مشروطا بإشارة إيرانية واضحة وسريعة، لأن مسؤولين عسكريين أمريكيين أبدوا تشككا في تمديد المهلة هذه المرة، بعد تكرار التأجيل في مواعيد سابقة لم تنته إلى تسوية.
بعد ذلك أوضحت الصحيفة أن مسؤولين إيرانيين أبلغوا الوسطاء بأنهم يتوقعون تكرار النمط نفسه الذي طبع تعامل ترامب مع المهل السابقة خلال ولايته الثانية، حين حدد مواعيد نهائية ثم نفذ تهديداته العسكرية. ولذلك تعاملت طهران مع المهلة الجديدة باعتبارها تهديدا قابلا للتنفيذ، لا مجرد أداة ضغط تفاوضي، وهو ما فسر تمسكها برد مشدد ومفصل.
وفي هذا السياق قال علي واعظ، مدير مشروع إيران في "مجموعة الأزمات الدولية"، إن استمرار التفاوض تحت ضغط الضربات والمهل النهائية يقلص فرص الوصول إلى مخرج ثابت، لأن كل طرف يتعامل مع الوقت باعتباره أداة كسر إرادة لا أداة تسوية. ويتفق هذا التقدير مع تحذير المجموعة من أن الحرب دخلت مرحلة تحتاج إلى وقف تصعيد فوري قبل أي ترتيب سياسي أوسع.
البيت الأبيض يفتح باب التمديد ويجهز في الوقت نفسه حملة ضربات واسعة
قال مسؤول رفيع في الإدارة الأمريكية لموقع "أكسيوس" إن ترامب قد يؤجل القرار إذا رأى أن اتفاقا ما يقترب، لكنه شدد على أن القرار النهائي يعود إلى الرئيس وحده. وبالتوازي مع ذلك، قال مسؤول عسكري إن المؤسسة العسكرية الأمريكية متشككة في إمكان تمديد المهلة، ما أظهر تضاربا بين الرغبة في إبقاء المسار التفاوضي قائما والاستعداد لعملية عسكرية أكبر.
ولذلك تبددت آمال التوصل إلى اتفاق صباح الاثنين بعدما رفضت طهران مقترحا أمريكيا لوقف إطلاق النار، واعتبرته مطالب تعجيزية تمس برنامجها النووي. ثم قال ترامب إن الرد الإيراني لم يكن كافيا، بينما أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي أن العالم سيعرف مساء الثلاثاء ما إذا كانت الجسور ومحطات الكهرباء الإيرانية ستدمر، في تصريح كشف طبيعة الأهداف المطروحة مباشرة.
ومن ثم وصف مسؤول أمريكي الرد الإيراني بأنه متشدد، لكن البيت الأبيض تعامل معه بوصفه مناورة تفاوضية لا رفضا نهائيا. وعلى هذا الأساس أبلغ الوسطاء واشنطن أنهم يعملون مع الإيرانيين على تعديلات وإعادة صياغة، كما حذروا من بطء عملية اتخاذ القرار في إيران، وهو ما دفع مستشاري ترامب إلى اشتراط ظهور مؤشرات إيجابية ملموسة قبل التفكير في تمديد جديد.
كما كشف مصدران لموقع "أكسيوس" أن خطة لحملة قصف أمريكية إسرائيلية واسعة ضد منشآت الطاقة الإيرانية أصبحت جاهزة للتنفيذ إذا أصدر ترامب الأمر. ويعني هذا أن خيار التفاوض لم يوقف التحضير العسكري، بل جرى تشغيل المسارين معا في الوقت نفسه، بحيث يتحول أي فشل في الساعات الأخيرة إلى أمر عمليات جاهز لا إلى قرار يحتاج ترتيبات إضافية.
وفي هذا الإطار قال تريتا بارسي، نائب الرئيس التنفيذي في "معهد كوينسي"، إن الإدارة الأمريكية تتحدث عن فرصة تفاوضية بينما توسع في الخلفية بنية الضغط العسكري، وهو ما يجعل التفاوض نفسه محكوما بمنطق الإكراه. ويستند هذا التوصيف إلى كتابات بارسي الأخيرة التي رأت أن الحرب لم تنتج حلا سياسيا، بل دفعت واشنطن إلى الجمع بين التهديد ومحاولة البحث عن مخرج في اللحظة نفسها.
شروط ترامب ورد طهران يكشفان صراعا على شكل نهاية الحرب لا على توقيتها فقط
أكدت تقارير أمريكية أن ترامب يريد اتفاقا يضمن في الوقت نفسه حرية عبور ناقلات النفط في مضيق هرمز. وجاء هذا الموقف بعد تراجع عن طرح سابق خير فيه إيران بين إبرام اتفاق أو فتح المضيق لتجنب ضرب الجسور ومحطات الطاقة. ثم عاد الرئيس الأمريكي ليقول إن المقترح الإيراني مهم، لكنه ليس جيدا بالقدر الكافي، معتبرا يوم الثلاثاء اليوم الأخير للتفاوض.
بعد ذلك قال ترامب، على هامش احتفالية عيد الفصح في البيت الأبيض، إنه لو كان الأمر بيده لاستولى على نفط إيران وأداره كما يفعل في فنزويلا. وعندما سئل عن استهداف الجسور ومحطات الطاقة، رد بأن إيران قتلت 45 ألفا الشهر الماضي، وأضاف أن فتح حرية الملاحة في مضيق هرمز يمثل أولوية كبيرة جدا، ثم كرر تهديده المعتاد بأن إيران ستفقد جسورها ومحطات طاقتها إذا لم تقبل الاتفاق.
في المقابل أعلنت وكالة "إرنا" أن طهران سلمت يوم الاثنين ردها على الخطة الأمريكية المؤلفة من 15 بندا إلى باكستان، بعد دراسات شاملة على مستويات عليا في النظام. وأضافت الوكالة أن الرد الإيراني يتضمن 10 بنود، ويرفض وقف إطلاق نار مؤقتا، ويشدد على إنهاء دائم للحرب، كما يشمل مطالب تتصل بإنهاء المواجهات في المنطقة، وبروتوكولا خاصا بالعبور الآمن من مضيق هرمز، وإعادة الإعمار، ورفع العقوبات.
ولهذا لم يعد الخلاف محصورا في توقيت وقف النار، بل امتد إلى تعريف نهاية الحرب نفسها. فواشنطن تريد من إيران فتح المضيق وتقديم تنازل سريع يثبت نجاح الضغط العسكري، بينما تريد طهران إنهاء دائما للحرب يقرن أي تهدئة برفع العقوبات وضمانات أمنية وترتيبات ملاحة جديدة. وعند هذه النقطة تحديدا يظهر أن كل طرف يحاول فرض صيغة ختامية تعكس ميزان القوة الذي يريد تثبيته.
وفي هذا السياق كتب فالي نصر، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة "جونز هوبكنز"، أن الحرب الحالية تكشف فشل المسارات التي قادت إلى المواجهة، وأن أي مخرج لن يستقر إذا تجاهل تعريف إيران لمصالحها الأمنية بعد الحرب. ويعزز هذا التقدير فهم سبب تمسك طهران بردها ذي البنود العشرة، وسبب رفضها وقف نار مؤقتا لا يغير شروط الصراع الأساسية.
وهكذا يتضح أن رد طهران على مهلة ترامب لم يفتح باب تسوية نهائية حتى الآن، بل نقل الصدام إلى مستوى أكثر حدة بين منطق الإنذار العسكري ومنطق الشروط المقابلة. وإذا كان البيت الأبيض قد أبقى الباب مواربا أمام التأجيل، فإن الوقائع التي كشفتها "وول ستريت جورنال" و"أكسيوس" تؤكد أن واشنطن تواصل التفاوض وهي تضع خطة القصف على الطاولة، وأن إيران ترد وهي تفترض أن التهديد قد يتحول إلى تنفيذ في أي لحظة.

