أطلق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان العنان لتشييد عدة مشروعات عملاقة.. فمؤخراً افتتح جسراً معلقاً أعلى مضيق البسفور يربط أوروبا باسيا ويعتزم بناء أحد أكبر مطارات العالم كما يسعى لإنشاء بسفور ثانٍ.
"لا يبنون هذا لسكّان هذه المنطقة" هكذا يعلّق أدهم أوزدمير على القبة الخرسانية التي بدأت تظهر تدريجياً خلف منزله.
يقع منزل أوزدمير على تلة تشاملجا بإسطنبول، وهي الموقع الذي يفضله الكثيرون لدرجة أن السلاطين العثمانيين بنوا قصوراً خاصة أعلى التلة للاستمتاع بالمشهد الآخذ بالألباب لمضيق البوسفور من هناك.
اليوم يتوج الرئيس التركي التلة ببناء مسجد أكبر من أي بناء آخر بناه السلاطين من قبل، ويتسع المسجد لـ 37 ألفاً و500 مصلٍّ، بتكلفةٍ تصل إلى ما يقارب 45 مليون دولار.
"يمكن رؤية هذا الموقع من أي مكان (في إسطنبول)" كما يقول أوزدمير، وهو إخصائي تقني يبلغ من العمر 35 عاماً. ويضيف "لهذا يبنون هذا المسجد هنا. فهم يريدون أن يضعوا بصمتهم على أرجاء إسطنبول، مثل برج إيفل (باريس) أو تمثال الحرية (نيويورك)".
منذ عدة سنوات، يقوم الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية، ذو الجذور الإسلامية، ببرنامج إنشاءات ضخم تبلغ قيمته حوالي 200 مليار دولار، أي أكثر من 25٪ من إجمالي الناتح المحلي السنوي لتركيا. ما يقرب من نصف هذه الإنشاءات في إسطنبول وحدها.
ومع تعدد الأزمات المحيطة بالبلاد -مثل التفجيرات الإرهابية، والحرب مع المسلحين الكرد جنوبي شرق تركيا، ومحاولة الانقلاب الفاشلة وما أعقبها من حملة أمنية كبيرة، وكذلك تراجع إيرادات السياحة كنتيجة لما سبق- فإن مشروعات أردوغان الضخمة تبدو أكثر مصيريّةً وأهميةً من ذي قبل بالنسبة لجهوده في إبراز نجاح التجربة التركية، للداخل والخارج على حد سواء.
صامدون ونزداد نمواً
يقول الكاتب الصحفي مصطفى آكيول "خاصةً بعد المحاولة الانقلابية الأخيرة، أصبحت تلك المشروعات الضخمة رمزاً للصمود الوطني".
ويضيف مؤلف كتاب "إسلام بلا تطرّف: دعوة إلى الحرية" أن الحكومة "تبدو وكأنها تريد إيصال رسالة مفادها: الجميع يهاجموننا، لكننا صامدون ونزداد نمواً وإنتاجاً. وعلى صعيد الواقع الملموس، تُعَّد هذه المشروعات أيقونات للثقة القومية”.
ومن بين التصميمات التي لا نزال قيد الإنشاء: مطارٌ ثالث في إسطنبول بتكلفة 24 مليار دولار، ومن المتوقّع أن يكون أكبر مطار في العالم؛ وطريق سريع بطول 270 ميلاً وبتكلفة 7,5 مليارات دولار يربط بين إسطنبول وإزمير، ثالث أكبر مدن تركيا؛ أما أكبر تلك المشروعات فهو مشروع قناة (كانال إستانبول) ستصبح بمثابة “البسفور الثاني”، تجري بموازاة مضيق البوسفور، وتربط البحر الأسود ببحر مرمرة بهدف تسهيل حركة الملاحة البحرية وتخفيف الازدحام في المضيق الأصلي.
وبدت القيمة السياسية لهذه المشروعات بالنسبة لنظام الرئيس أردوغان، والذي لايزال يتمتع بدعم شعبيّ، بشكل أوضح في شهر أغسطس /آب 2016 عند افتتاح جسر السلطان يافوز سليم والذي بُنِي بتكلفة 3 مليارات دولار، وهو الجسر المعلّق الثالث على مضيق البوسفور في إسطنبول، ويربط شطرَي المدينة عبر قارتي آسيا وأوروبا كسابقَيه.
وفي حفل الافتتاح يوم 26 أغسطس، استعار أردوغان المثل التركي القائل “عندما يموت الحمار يخلّف وراءه السرج، وعندما يموت رجل يخلّف وراءه عمله” مضيفًا “سيذكرنا الناس بهذه الأعمال”.
وفي إعلان على شاشات التلفاز الحكومية بُعيد الافتتاح صدح صوت أحدهم “افخري بقوتك يا تركيا”.
وصف أردوغان الجسر بأنه انعكاس لشجاعة هؤلاء الذين تظاهروا في الشوارع لمقاومة المحاولة الانقلابية في منتصف يوليو الماضي، حين لقي 246 من المدنيين مصرعهم أثناء دحر الانقلابيين.
وقال مخاطباً الآلاف الذين تجمعوا هناك “أنتم شعب وقف أمام الدبابات والبنادق وطائرات الهليكوبتر ومقاتلات إف-16، ولم تعبئوا بشيء من كل هذا. هذا المشروع يليق بكم”.
يقول مصطفى آكيول “لقد كان هناك غضب شديد تجاه المحاولة الانقلابية، لهذا كان حفل افتتاح الجسر لحظة عاطفية جداً”. وأشار إلى أنها “أظهرت أن تركيا لاتزال قوية مرفوعة الرأس ولا يمكن إيقافها”.

