أشعلت قرارات نقابة الأطباء بشأن اشتراطات القيد لعام 2027 أزمة واسعة النطاق داخل الأوساط الصحية والتعليمية، نتيجة مخاوف عميقة تتعلق بتدني مستوى خريجي الجامعات الخاصة والأهلية والدولية وغياب المستشفيات الجامعية الكافية لتدريبهم العملي.
​
​
وانطلقت شرارة التوسع العشوائي منذ تصريحات وزيرة الصحة في سبتمبر 2018 أمام البرلمان حول وجود عجز حاد، حيث تبين أن 60 في المئة من الكوادر يعملون بالخارج بينما يتجه الباقون للعمل بالقطاع الخاص.
​
​


جذور التوسع غير المدروس بالتعليم الطبي
​
​
وعلى إثر هذه الأزمة صدر القانون رقم 162 لسنة 2018 لتنظيم فروع الجامعات الدولية، بالتزامن مع توجيهات أصدرها قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي شملت 3 مسارات لمعالجة نقص الكوادر الطبية على وجه السرعة.
​
​
إذ تمثلت أولى تلك الأفكار في تحويل الصيادلة إلى أطباء، وهي المحاولة التي اصطدمت برفض قاطع من نقابتي الأطباء والصيادلة، بينما سعت هيئة الرعاية الصحية بالتأمين الشامل لاحقاً لبحث تدريب تحويلي للمهام المساعدة.
​
​
وفي السياق ذاته، قضت التوجيهات باختصار مدة الدراسة الجامعية لتصبح 5 سنوات بدلاً من 6 سنوات، مع مد فترة الامتياز الإكلينيكي بالمستشفيات لتكون عامين كاملين بهدف استعجال ضخ الخريجين في سوق العمل.
​
​
بالإضافة إلى ذلك، جاء التوجيه الثالث بفتح جامعات جديدة ومنحها تسهيلات لإنشاء مستشفيات تدريبية خلال 3 سنوات بدأت عام 2019، مما أسفر عن قفزة هائلة في عدد كليات الطب لتصل إلى 59 كلية.
​
​
غير أن غالبية الصروح التعليمية المستحدثة لم تلتزم بإنشاء مستشفيات جامعية تتطابق طاقتها الاستيعابية مع أعداد المقيدين، الأمر الذي أفرز خللاً خطيراً في منظومة التأهيل السريري الأساسية لإعداد الطبيب بصورة علمية منضبطة.
​
​


تداعيات العشوائية وتراجع جودة التدريب العملي
​
​
وبناءً على هذا المسلك غير المنضبط، تصاعد الصدام المباشر بين رغبة الحكومة في زيادة الأعداد لمواجهة الهجرة، وبين تحذيرات نقابة الأطباء الصارمة من عواقب تخريج كوادر تفتقر إلى التدريب الإكلينيكي المباشر بجوار سرير المريض.
​
​
من هذا المنطلق، برزت معضلة تدني شروط القبول بالجامعات الدولية والخاصة، إثر قبول طلاب بمجاميع هابطة وصلت إلى 50 في المئة استناداً للمادة 20 من قانون 162 لسنة 2018 التي تطبق قواعد الجامعة الأم.
​
​
علاوة على ذلك، تفاقمت أزمة مزاحمة الوافدين للطلاب المصريين بكليات الطب الحكومية، حيث أوضح نائب رئيس جامعة القاهرة في حوار خلال أكتوبر 2026 أن الوافدين يمثلون 11 في المئة من طلاب الجامعة الإجمالي.
​
​
وفي السياق نفسه، شدد المسؤول الجامعي على أن نسبة الوافدين ترتفع بصورة حادة لتصل إلى قرابة 30 في المئة داخل كلية طب قصر العيني، مما يزيد من صعوبة توفير فرص تدريبية متكافئة لجميع الطلاب.
​
​


توصيات النقابة وحماية منظومة الرعاية الصحية
​
​
واتصالاً بهذه المعطيات الحرجة، أصدرت الجمعية العمومية لنقابة الأطباء في 23 أكتوبر الماضي حزمة قرارات ملزمة، تضمنت اشتراط تقديم شهادة الثانوية العامة لقيد الخريجين ابتداءً من عام 2027 للتصدي لتدني المجموع.
​
​
كذلك تحركت النقابة لإعداد تعديل تشريعي بالبند 3 للمادة 20 بالقانون 162 لسنة 2018، لإخضاع فروع الجامعات الدولية للقواعد والمعايير الوطنية المطبقة على باقي كليات الطب بالجمهورية دون أي استثناء.
​
​
فضلاً عن ذلك، طالبت النقابة الجهات الحكومية بحصر نسبة الوافدين في كليات الطب الحكومية عند سقف 5 في المئة فقط، صوناً لمبدأ العدالة وتكافؤ الفرص بين الطلاب المصريين وأقرانهم الوافدين في معايير المجموع.
​
​
وبالمثل، دعت النقابة إلى صياغة معايير علمية صارمة لمعادلة الشهادات الأجنبية، مع الوقف الفوري لقبول دفعات جديدة بالكليات التي تجاوزت مهلة السنوات الـ 3 المحددة لإنشاء مستشفياتها التعليمية الخاصة ولم تلتزم بالضوابط.
​
​
ومن جهة أخرى، يتمسك الأطباء بسلطتهم المستمدة من قانون مزاولة المهنة رقم 415 لسنة 1954، لرفض تسجيل خريجي الكليات المخالفة لحماية المنظومة، مع المطالبة بربط أعداد المقبولين بالطاقة الاستيعابية لمواقع التدريب الإكلينيكي.
​
​
وبالتوازي مع هذه الإجراءات، بات المستثمرون يواجهون خسائر مالية فادحة نتيجة ضوابط القبول الجديدة وتكاليف بناء المستشفيات، بينما تتطلب حماية الطلاب قصر التطبيق على المستجدين دون المساس بالحقوق المكتسبة للدفعات السابقة.
​
​وفي الختام تؤكد الوقائع أن حل أزمة المنظومة الصحية لا يرتبط بمضاعفة أعداد الخريجين دون تأهيل ملائم، بل يستوجب تحسين بيئة العمل ووقف نزيف الهجرة المتواصل عبر ضمانات اقتصادية وتدريبية تحفظ كفاءة الطبيب وأمان المريض.