لا يأتي الإتقان مصادفة، فربما يفوز شخص باليانصيب ويصبح ثريًا بين ليلة وضحاها، لكن أحدًا لم يتقن حرفة أو مهارة بمحض الصدفة. وسواء تعلق الأمر بالرياضيين أو الفنانين أو الأكاديميين، تظل القاعدة واحدة: إذا أردت بلوغ أقصى إمكاناتك، فعليك أن تمارس مهارة محددة فترة طويلة، وبقدر كبير من الانتظام والاستمرارية. ويؤكد الكاتب جيمس كلير، المتخصص في الكتابة عن العادات واتخاذ القرارات والتطور المستمر، أن طريق التميز يتطلب الالتزام بالتدريب المتكرر، حتى عندما يبدو رتيبًا ومملًا.
وفي مقال نشره على موقعه الإلكتروني، يوضح كلير أن أصحاب الأداء المتميز في مختلف المجالات يتعلمون بطريقة ما كيف يحبون الملل، ويكررون تدريباتهم، ويواصلون العمل رغم رتابته. لكنه يشير إلى أن الروايات التي يرويها «الخبراء» عن الناجحين غالبًا ما تغفل جانبًا أساسيًا: كيف ينجح هؤلاء بالفعل في تقبل الملل؟ والأهم من ذلك، كيف يمكن للإنسان أن يتصالح مع رتابة عادة يعرف أنه ينبغي عليه الالتزام بها، لكنه لا يرغب في ممارستها حقًا؟
ويطرح الكاتب استراتيجيتين أثبتتا فاعليتهما في التعامل مع هذه المشكلة، وتساعدان على تحويل الالتزام بالعادات من عبء ثقيل إلى سلوك يمكن الاستمرار فيه.
كيف تتصالح مع الملل وتحول العادات إلى متعة؟
يرى كلير أن فرص الوقوع في حب عادة تكرهها فعلًا تكاد تكون معدومة؛ فهو لا يعرف أشخاصًا ينفرون حقًا من نشاط معين، ثم يجدون أنفسهم فجأة يحبون ممارسته. فالأمر لا يبدو منطقيًا، ومن الصعب أن تكره شيئًا وتحبه في الوقت نفسه، باستثناء العلاقات العاطفية السابقة، كما يمازح الكاتب.
ولنفترض أنك لا تحب ممارسة الرياضة، رغم إدراكك لفوائدها الصحية. إذا أردت أن تتصالح مع رتابة الذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية، فهناك مساران يمكنك اتباعهما.
يتمثل المسار الأول في رفع مستوى مهارتك في النشاط الذي تمارسه. فحتى المهام التي تتقنها قد تبدو رتيبة في بعض الأيام، فما بالك إذا كنت تحاول باستمرار أداء نشاط لا تشعر بالكفاءة فيه؟ ويكمن الحل في تعلم أساسيات المهمة والاحتفاء بالإنجازات الصغيرة والتحسن التدريجي الذي تحققه.
وفي مثال التمارين الرياضية، يمكنك شراء كتاب «Starting Strength» والتعرف إلى الطريقة الصحيحة لأداء تمرين الرفعة المميتة أو تمرين ضغط الصدر. وقد تمنحك ممارسة هذه المهارات الجديدة في صالة الألعاب الرياضية شعورًا بالمتعة، كما أن تحقيق تحسينات بسيطة كل أسبوع يساعدك على اكتساب الزخم والاستمرار.
فمن الأسهل بكثير أن تحب تكرار نشاط ما عندما تتطلع في كل مرة إلى إحراز تقدم جديد فيه، حتى لو كان هذا التقدم محدودًا.
أما المسار الثاني، فيتمثل في التركيز على النتيجة التي يحققها النشاط بدلًا من التركيز على النشاط نفسه. فالحقيقة أن بعض المهام التي ينبغي علينا إنجازها ستظل مرهقة أو غير محببة، مهما حاولنا تغيير نظرتنا إليها. وقد يكون الجري السريع مثالًا واضحًا على ذلك؛ إذ لا يتطلع كثيرون إلى ممارسة تمرين يجعل رئاتهم تشعر وكأنها تحترق.
ويوضح كلير أنه يحقق نتائج أفضل في مثل هذه المواقف عندما يحول اهتمامه من المهمة ذاتها إلى النتيجة التي يريد الوصول إليها. وقد تكون هذه النتيجة مرتبطة مباشرة بالعادة التي يحاول الالتزام بها، أو هدفًا يبتكره بنفسه ليحفز استمراره.
فعلى سبيل المثال، يمكنك تحويل الالتزام بالتمارين إلى لعبة، يكون هدفها ألا تفوّت أي حصة رياضية، حتى إن لم تكن تستمتع بالتمرين نفسه. ولنفترض أنك أتممت حصتين متتاليتين من تدريبات الجري السريع؛ عندها يمكنك التركيز على أن تصبح شخصًا لا يتغيب عن تدريباته، بدلًا من الانشغال بمستوى أدائك أو مدى تحسن سرعتك أو قدرتك على الحصول على عضلات بطن بارزة أو تحقيق أي نتيجة جسدية أخرى.
وبدلًا من التفكير المستمر في تفاصيل التمرين، يصبح هدفك الأساسي هو الحفاظ على سلسلة التمارين دون انقطاع.
ويشبه هذا الأسلوب ما يُعرف باسم «استراتيجية سينفيلد»، لكن مع تطبيقها على ممارسة الرياضة. إذ ينحصر هدفك في ألا تقطع سلسلة الالتزام، أو بعبارة أخرى: «لا تكسر السلسلة». ومن خلال تحويل تركيزك بعيدًا عن النشاط الذي لا تحبه، تمنح نفسك فرصة للاستمتاع بملل الحفاظ على الاستمرارية، وهو أمر قد تجد فيه متعة حقيقية.
قوة الصبر والاستمرارية في تحقيق النجاح
يتذكر كلير حديثًا دار بينه وبين أحد أصدقائه في صالة الألعاب الرياضية مؤخرًا، بعدما قرر الأخير تغيير برنامجه المعتاد لرفع الأثقال، رغم تحقيقه تقدمًا جيدًا من خلاله. وعندما سأله عن السبب، قدم عدة مبررات قبل أن يعترف أخيرًا قائلًا: «ببساطة، شعرت بالملل».
ويقول الكاتب إنه احتاج إلى سنوات ليتعلم هذا الدرس بنفسه، لكنه بدأ يقتنع بأن المزج المتوازن بين الصبر والاستمرارية يمثل أقوى ميزة تنافسية يمكن للإنسان امتلاكها.
فغالبًا ما يكمن النجاح في ممارسة الأساسيات التي يعرف الجميع ضرورة الالتزام بها، لكنهم يجدونها مملة أو بسيطة إلى درجة تمنعهم من المواظبة عليها. وهنا تحديدًا تظهر قيمة الانضباط؛ إذ لا يتطلب التفوق دائمًا ابتكار أساليب جديدة، بل قد يعتمد على الالتزام بما نعرف بالفعل أنه يحقق النتائج.
ويشبه كلير هذا الأمر بإجراء 120 مكالمة مبيعات يوميًا. فهذه المهمة لا تحمل أي قدر من الإثارة أو الجاذبية، لكنها تحقق نتائج فعلية. ولذلك، لا تحتاج إلى إعادة ابتكار الأساسيات أو البحث باستمرار عن طرق جديدة، بقدر حاجتك إلى الالتزام بتطبيقها.
ويختتم الكاتب فكرته بالتأكيد على أن الطريق إلى الإتقان لا يتطلب دائمًا فعل أشياء مختلفة، بل يتطلب في كثير من الأحيان الاستمرار في فعل الأشياء التي أثبتت نجاحها، وتكرارها بصبر وانتظام، حتى عندما يتسلل الملل إلى الطريق. فالتقدم الحقيقي لا يصنعه الحماس المؤقت، بل تصنعه القدرة على مواصلة العمل بعد أن يخفت بريق البدايات.
https://jamesclear.com/in-love-with-boredom

