جرد قرار وزارة التضامن الاجتماعي نحو 2.2 مليون أسرة مصرية من مظلة الدعم النقدي المشروط، ملقياً بهم خارج شبكة الحماية في أوج موجة غلاء طاحنة تعصف بمختلف محافظات الجمهورية دون أي مراعاة لظروفهم القاسية المعقدة.
​
​
وتتزامن هذه الإجراءات الحادة مع تقليص مخصصات برنامج تكافل وكرامة بنحو 15 مليار جنيه، لتهبط الموازنة الإجمالية إلى 42 مليار جنيه مقابل 57 ملياراً كانت معتمدة سابقاً، ما ينذر بمضاعفة رقعة الحرمان المعيشي اليومي.
​
​
تقليص الموازنة وتجريد ملايين الأسر
​
​
وفي هذا السياق، سارع عضو مجلس النواب أحمد فرغلي إلى تقديم طلب إحاطة عاجل، مطالباً بإحالة ملف استبعاد الأسر فوراً إلى لجنة التضامن الاجتماعي والأسرة بمجلس النواب لمساءلة رئيس الوزراء ووزيرة التضامن.
​
​
وبناءً على ذلك، فند فرغلي ادعاءات الوزارة القائلة بخروج هذه الأسر من دائرة العوز، متسائلاً عن المعايير الرقمية المجردة التي استندت إليها السلطة لإثبات ذلك التحسن المزعوم في ذروة الغلاء الحالي.
​
​
ومن جهتها، بررت الحكومة تقليص القوائم بأن الدعم النقدي يمثل شبكة أمان مؤقتة تمتد لنحو 3 سنوات فقط، مشيرة إلى أن النظام استقبل تاريخياً 8.2 مليون أسرة، بينما استقر الصرف الفعلي عند 4.7 مليون أسرة.
​
​
وعلاوة على هذا، تندرج هذه التخفيضات القسرية ضمن حزمة التقشف الحادة التي يقودها قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، استجابة لاشتراطات صندوق النقد الدولي الرامية إلى تقليص الإنفاق الاجتماعي العام وتحميل الفئات الكادحة كلفة الأزمات المالية.
​
​
وفي الإطار ذاته، يوضح الخبير في الاقتصاد السياسي ومدير وحدة العدالة الاجتماعية، الدكتور وائل جمال، أن سحب 15 مليار جنيه من مخصصات الفقراء يمثل انكماشاً متعمداً يخالف حتى معايير العدالة التوزيعية الدنيا.
​
​
تأسيساً على ذلك، يوضح جمال، مستنداً إلى مؤشرات الحماية، أن تحويل مظلة الدعم إلى أداة للتخارج الإجباري السريع يضاعف معدلات الفقر المدقع، ويحول المشروطية إلى سيف مسلط على رقاب الأسر بدلاً من تمكينها إنتاجياً.
​
​
وهم التمكين وتجميد ملفات الاستحقاق
​
​
وبالتوازي مع ذلك، شكك ممثلو الشارع في المزاعم الرسمية التي نفت وجود أي قوائم انتظار طوال 2.5 عام مضت، في وقت تتكدس فيه طلبات آلاف المواطنين المستوفين لكافة الأوراق الرسمية المقررة دون جدوى.
​
​
ومن جانب آخر، تتلاشى وعود الوزارة بحسم الملفات خلال 45 يوماً فقط أمام الواقع، حيث يقضي المتقدمون شهوراً طويلة تمتد أحياناً لأكثر من عام كامل في انتظار إجراء بحث ميداني لم يتحقق أبداً.
​
​
وفضلاً عن هذا الإرجاء، أظهرت التساؤلات البرلمانية اقتطاع مبالغ ضخمة تصل إلى 2.25 مليار جنيه شهرياً من مستحقي الدعم، في استنزاف مالي منظم يقلص السيولة الموجهة للطبقات الأكثر هشاشة تحت ذرائع محاسبية وإجرائية ملتوية.
​
​
وفي تطور موازٍ، وظفت السلطات واقعة تزوير 67 شخصاً لمستندات سيارات المعاقين واستحقاقات المعاش، لفرض قيود تعسفية شاملة استهدفت تبرير شطب مئات الآلاف بذريعة مكافحة الفساد وتطهير قواعد البيانات بصورة جائرة وغير منصفة.
​
​
وبموجب هذه الضوابط التقييدية، اتسع نطاق الاستبعاد ليطال كل من يمتلك 0.5 فدان من الأرض الزراعية أو مركبة قديمة أو سجلاً تجارياً خاملاً، متجاهلة انعدام الدخل الحقيقي المستدام لتلك الحيازات الصورية الهامشية.
​
​
ومن هذا المنطلق، يؤكد الباحث المتخصص في السياسات المالية وإدارة الديون، الدكتور رائد سلامة، أن استخدام التعقيدات البيروقراطية وتجميد الملفات يمثل محاولة حكومية متعمدة لتقييد السيولة النقدية وتصدير عجز الموازنة للفقراء.
​
​
تبعات معيشية تسحق الفئات الهشة
​
​
واتصالاً بهذه التداعيات، يؤدي إسقاط الأسر من المنظومة إلى تجريدها الفوري من الإعفاء القانوني المقرر لرسوم منظومة التأمين الصحي الشامل، إلى جانب إلزامها بسداد المصروفات المدرسية لأبنائها رغم عجزها التام عن توفير الغذاء.
​
​
وإضافة إلى ذلك، تمنع الإجراءات الجديدة هذه الأسر من قيد المواليد على البطاقات التموينية، ما يضاعف فاتورة المعيشة الشهرية ويحرم الرضع والأطفال من الحصص التموينية الأساسية التي كانت تضمن الحد الأدنى من البقاء.
​
​
وتبرز المفارقة الصارخة في ترويج مسؤولي التضامن لزيادة المعاش بنحو 4 أضعاف ليصل إلى 900 جنيه، متجاهلين أن هذا المبلغ يعادل 17 دولاراً شهرياً فقط، وهو رقم يبتلعه التضخم دون تغطية تكاليف الخبز.
​
​
وعلى هذا الصعيد، تسقط فرضية الانتقال من الاحتياج إلى الإنتاج خلال 3 سنوات في ظل ركود الأسواق، حيث لا توفر القروض الهامشية أو المبادرات الصغيرة دخلاً يكفي لمواجهة الغلاء المتوحش وارتفاع أسعار المحروقات.
​
​
وفي هذا السياق التقييمي، تشير أستاذة الإحصاء ومستشارة الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الدكتورة هبة الليثي، إلى أن مبلغ 900 جنيه يقع بمراحل دون خط الفقر المدقع، ما يجعل ادعاء التمكين قفزة وهمية.

 

ونتيجة لهذا المسار، تجد ملايين الأسر المصرية نفسها محاصرة بين خفض الدعم الحكومي وغلاء الأسعار المتواصل، لتبقى القرارات الأخيرة بمثابة تفكيك تدريجي لما تبقى من شبكات الأمان الاجتماعي تحت وطأة الأزمة الاقتصادية الخانقة.